فعملية السياسية عملية ممارسة ودهاء وذكاء ومعلومات، خلاصة التفكير البشري حتى يتخذ الناس قرارات، فهذا الذي يفسر لنا لماذا بعض الدول قَبِل الغرب فيها بخيار، ثم لم يقبل شبيه هذا الخيار في دولة أخرى، ثم تجد نفس الخيار في نفس الدولة يقبله في فترة زمنية، ولا يقبله في فترة زمنية أخرى، ولذلك قالوا: (في السياسة ليس هناك علاقات دائمة، ولكن هناك مصالح دائمة) ، ليس هناك مبادئ ولا أخلاق ولا علاقات ولا موازين ثابتة، هناك دائما ميزان مصالح ثابت، ترهيب وترغيب.
وللأسف هذه القاعدة كان المفروض ألا توجد بين المسلمين، ولكنها أصبحت الآن بين الجماعات الإسلامية المختلفة، وكان مع الأسف يجب أن تكون العلاقات الجهادية على الأقل لا تضخع لهذه القاعدة، ولكن حتى العلاقات بين التنظيمات الجهادية تضخع كثيرا لهذه القاعدة، التي ليست بمنهج ولا أخلاق وإنما مصالح إلى حد كبير جدا، وينتشر هذا المرض حتى داخل الجماعة الواحدة وأعضاء القيادة الواحدة وداخل الأتباع والمحاور.
طبعا هذا خطأ وغير مقبول ولا يجب أن يكون، وهو موجود بنسب تتفاوت، ولذلك تجد أن معظم الأتقياء والصالحين وأصحاب الدين في التاريخ الإسلامي تركوا كل هذه المصائب، اعتزلوا الحكم ومشاكله ومنافساته ومعارضات الخصوم وتفرغوا لشئونهم، فأصبحت مشكلة أن تنحى الأتقياء وبقي فقط الحيتان الكبيرة، نحن نحتاج إلى قضية:"لست الخب ولا الخب يخدعني"، إنسان تقي، ولكن لا يسمح لأحد أن يعدو عليه.
مونتجمري القائد العسكري الجنرال الذي خاض الحرب العالمية الثانية، له كلمة أستعيرها، قال: (الحرب عمل قذر، أما السياسة فيا الله) فلم يجعل لها وصفا لفرط قذارتها، طبيعة العلاقات والتحالفات والمتشابكات، عمليات ربط مصالح.
لم تعد تجد شيئا -إلا النادر- يكون لله تعالى، في حدود معينة يكون هذا مشروعا، كأن تدعم جهة جهادية ولك مصلحة في دعمها، هذا مشروع، ماشي؟ ولكن يبدأ يتحول هذا لأن يكون مصلحة للإسلام ولا مصلحة لك أنت= فلا تدعم! هيك صارت القضية.