يعني يمكن أن يكون عندك منطقة محررة فيها مستودعات ومخازن، ومنطقة لفرار الملاحقين، وفيها مستشفيات وفيها إداريات، وفيها جهاز الإعلام، وربما فيها إذاعة متحركة للبث، ولكن هذا إذا لم يكن مستندا إلى حدود -كما كانت باكستان بالنسبة لأفغانستان- فإنه من الصعب جدا.
إلا إذا كانت الظروف الاجتماعية كلها لصالحك، والرقعة متسعة جدا، وعدد الجيش لا يغطي، وأنت تحيط المنطقة المحررة بمنطقة محرمة -كما يسمونها، والمنطقة المحرمة هي منطقة فيها عدد هائل جدا من الكمائن لا تستطيع الدولة اجتيازه للوصول للمناطق المحررة-
لكن مع وجود إمكانيات الدول الآن في الإنزال الميكانيكي المحمول، حتى تستطيع أن تُنزل ألوية مدرعة كاملة، مرة رأيت فيلما لقوات الناتو، فيه عمليات إنزال لقطعات ميكانيكية آلاف الدبابات، وعشرات الألوف من الجنود المظليين، بمدفعية ميدان، بأسلحة صاروخية كاملة، كل ذلك ينزل خلف خطوط العدو كما تُنزل عملية كوماندوز من ثلاثة أفراد، وهذه العمليات من أجل التدخل لاحتلال شمال أفريقيا، وكانت البوارج البحرية تتقدم وهي ترسل مطرا -بلا مبالغة كأنه مطر حقيقي- من صواريخ الـ bm على الأرض، خلال ذلك كانت الزوارق البحرية تنزل، والبرمائيات تزحف إلى الساحل، في هذا الوقت من القصف كان الإنزال مستمرا، تُلقى الدبابة -كذا طن- بالمظلة كما تُلقى علبة الكبريت، وكل واحد عارف رقم دبابته .. فخلال ساعات ينزل عشرات الألوف من الجنود خلف خطوط العدو.
هذه القضية ليست للتخويف، لم نخفهم سابقا ولم نخفهم لاحقا، ولكن حتى الذي يفكر في المواجهة يجب أن يعرف حجم المواجهة وطبيعة المواجهة، ولذلك تغير أساليبك تبعا لقدرة العدو، ولا تتحرك في منطقة مكشوفة أو تتمركز بحجة أنه لا يستطيع أن يأتيك من الأمام، فأنت عندك علم عسكري بأنه يمكن أن يأتيك من الخلف أو من السماء، فقضية التمركز ليست في صالح العصابات.