ولما كانت قراءة حفص من السهولة واليسر بمكان - كما سيأتي تفصيله في السبب الرابع - لا جرم كَثُر إقبال الناس عليها تلاوة وحفظًا وتعليمًا.
2 -اشتهرت روايته عن عاصم بن أبي النجود في الكوفة وكانت دار الخلافة حينئذ, يفد إليها العلماء وطلاب العلم, وكان حفص متفرغًا للإقراء عن غيره من القراء, ولما انتقلت الخلافة إلى بغداد انتقل حفص إليها, وأيضًا جاور بمكة وأقرأ بها, ومكة محل التقاء علماء العالم الإسلامي. ودار الخلافة بغداد كانت محط العلماء والمتعلمين, وكَثُر فيها الناس لوفرة العيش فيها؛ فاشتهرت روايته في بغداد أيضًا, وكثر عدد الآخذين لرواية حفص, ومن ثم انتشرت في سائر البلدان, وخاصة بلاد المشرق, وكان السائد في بلاد المغرب قراءة ورش وأبي عمرو.
فزيادة العناية بقراءة حفص في هذا الوقت؛ بالإقراء والتلقين والتدوين, وكتابة المصحف بما يوافقها وتداوله؛ سببًا قويًّا وعاملًا أساسًا في رواجها وانتشارها.
والذي يغلب على الظن أن هذه القراءة ظلت تتنقل مع الدولة في دور الخلافة من عصر إلى عصر؛ قراءة وتعليمًا وكتابة في المصاحف, حتى في عصرنا هذا.
3 -إتقان حفص لروايته عن عاصم, وقوة سنده من الأسباب المهمة في انتشار روايته؛ إذ يقول الشاطبي:
فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ وَعَاصِمٌ اسْمُهُ فَشُعْبَةُ رَاوِيهِ المُبَرِّزُ أَفْضَلاَ
وَذَاكَ ابْنُ عَيَّاشٍ أَبُو بَكْرٍ الرِّضَا وَحَفْصٌ وَبِاْلإتْقَانِ كانَ مُفضَّلاَ
وذلك أن حفصًا كان ابن زوجة شيخه عاصم بن أبي النجود, وكان معه في دار واحدة.
قال أبو عمرو الداني: وهو الذي أخذ قراءة عاصم على الناس تلاوة, ونزل بغداد فأقرأ بها, وجاور بمكة فأقرأ بها أيضًا. وقال ابن المنادي: وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر ابن عياش - يعني: شعبة - ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ على عاصم, وأقرأ الناس دهرًا, وكانت القراءة التي أخذها عن عاصم ترتفع إلى علي رضي الله عنه. يعني: سندًا.