قال أبو الوليد الباجِيُّ في"التعديل والتجريح" (1/283-288) :"واعْلَم أنه قد يقول المُعَدِّلُ:"فُلان ثقة"ولا يُريد به أنه ممن يُحْتَجُّ بحديثه، ويقول:"فلانٌ لا بأس به"ويريد أنه يُحْتَجُّ بحديثه؛ وإنما ذلك على حَسَبِ ما هو فيه، ووجْهِ السؤالِ له؛ فقد يُسْأَل عنِ الرجل الفاضل في دينه، المتوسِّطِ حديثُهُ فَيُقْرَنُ بالضعفاء، فيقال:"ما تقول في فلان وفلان؟"، فيقول:"فلان ثقة"يُريد أنه ليس من نَمَط من قُرِن به، وأنه ثقة بالإضافة إلى غيره، وقد يُسْأَل عنه على غير هذا الوجه فيقول:"لا بأس به"، فإذا قيل:"أهُوَ ثقة؟"قال:"الثقة غير هذا. يدل على ذلك ما رواه أبو عبدالله بن البَيِّعِ، قال: سمعت أبا عبدالله محمد بن يعقوب الشَّيْبَانِي، يقول: سَمِعْت أبا بكر محمد بن النَّضْر الجَارُودِيَّ، يقول: سَمِعْت عمرو بن علي، يقول: أخبرنا عبدالرحمن بن مَهْدِيٍّ، حدثنا أبو خَلْدَةَ، فقال رجل:"يا أبا سعيد أكان ثقة؟"فقال:"كان خيارًا، وكان مسلمًا، وكان صدوقًا، الثقةُ شُعْبَة وسُفْيَان. وإنما أراد عبدُ الرحمن بن مهديٍّ - رحمه الله - التَّناهِيَ في الإمامة، لو لم يُوَثَّق من أصحاب الحديث إلا مَنْ كان في درجة شُعْبَة وسُفْيَان الثَّوْرِيِّ لَقَلَّ الثقات، ولبطل معظم الآثار."
وأبو خَلْدَةَ هذا هو خالد بن دينار البصريُّ، أخرج البخاري في الجمعة والتعبير والعلم عن حَرْمِيِّ بن عمارةَ عنه عن أنس، وقال عمرو بن علي سَمِعْتُ يزيد بن زُرَيْعٍ يقول أخبرنا أبو خَلْدَةَ - وكان ثقة - ولكن عبدَ الرحمن لم يُرِدْ أن يُبَلِّغَهُ مبلغَ غيره ممن هو أَتْقَن منه وأَحْفَظ وأَثْبَت، وذهب إلى أن يُبَيِّنَ أن درجته دون ذلك؛ ولذلك قال:"كان خِيارًا، وكان صدوقًا"، وهذا معنى الثقة إذا جمع الصدق والخير مع الإسلام.