عظيمة، مِن فتح مكة، وإعادتها إلى من هو أولى بها وأهلها، وكونها أصبحت بعد ذلك دار إسلام، وأمْن الناس فيها، إلى غير ذلك من المصالِح.
أما قِتال غير النبي صلى الله عليه وسلم فليس فيه مثل هذه المصالح التي تُحتَمَل لأجلها المفسدة، وهي القِتال في مكة.
وتَقَدَّم قول القرطبي ونَقْله للإجماع، حيث قال:"وقد أجمعوا أنه لو قَتَلَ في الحرم قُتِلَ به، ولو أتَى حَدًّا أُقِيد منه فيه، ولو حارَب فيه حُورِب وقُتِل مكانه".
فعلى هذا يكون مَنْع القِتال فيها ابتداءً لا لِمن حارَب فيها.
وهذا المنع مُنطَبِق على حال عمرو بن سعيد بن العاص، لأنه ابتدأ القِتال، لا أنه حارَب مُحارِبًا. فابن الزبير رضي الله عنه عَاذَ بالبيت، ولم يبدأ بِقِتال.
18= قوله:"فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ"
فأبو شُريح رضي الله عنه كان شَاهِدًا حاضِرًا، وقد بَلَّغَ ما سَمِع إلى منَ غاب، وهو عمرو بن سعيد بن العاص، إلا أنه لم يَنتَفِع به!
بل أعْمَل عَقِلَه مُقابِل النصّ!
وقد ردّ عليه أبو شُريح رضي الله عنه، كما في رواية الإمام أحمد أنه قال: قد كنتُ شاهدا وكنتَ غائبا، وقد بَلّغت، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبَلِّغ شاهدنا غائبنا، وقد بَلّغْتك، فأنت وشأنك!
19= قوله:"إنَّ الْحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا , وَلا فَارًَّا بِدَمٍ، وَلا فَارًَّا بِخَرْبَةٍ"
وهو قَول مردود على قائله، أعني في حقّ ابن الزبير رضي الله عنه، كما تقدَّم.
قال ابن حجر:
وقد تَشَدَّق عمرو في الجواب! وأتى بكلام ظاهره حق لكن أراد به الباطل، فإن الصحابي أنكر عليه نَصْبَ الْحَرْب على مكة، فأجابه بأنها لا تمنع من إقامة القصاص، وهو صحيح، إلا أنّ ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يَجِب عليه فيه شيء من ذلك. اهـ.
وقال: وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الْحُكم مَساق الدليل، وفي تخصيصه العموم بلا مستند. اهـ.
20= قوله: فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ؟ أي ما قال الأمير في ردّه عليك.