قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُ: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} حَدًّا تَعْبُدُ عِبَادُهُ بِأَنْ لَا يُجَاوِزَهُ كَمَا جَعَلَ قَوْلَهُ: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} حَدًّا لِرَضَاعِ الْمَوْلُودِ التَّامِّ الرَّضَاعِ، وَتَعَبُّدِ الْعِبَادِ بِحَمْلِ وَالِدَيْهِ عَلَيْهِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ، وَإِرَادَةِ أَحَدِهِمَا الضِّرَارَ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَكُونُ لِلْعِبَادِ السَّبِيلُ إِلَى طَاعَتِهِ بِفِعْلِهِ وَالْمَعْصِيَةِ بِتَرْكِهِ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَى فِعْلِهِ، وَلَا إِلَى تَرْكِهِ سَبِيلٌ فَذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْأَمْرُ بِهِ وَلَا النَّهْي عَنْهُ، وَلَا التَّعَبُّدُ بِهِ فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْحَمْلَ مِمَّا لَا سَبِيلِ لِلنِّسَاءِ إِلَى تَقْصِيرِ مُدَّتِهِ، وَلَا إِلَى إِطَالَتِهَا فَيَضَعْنَهُ مَتَى شِئْنَ وَيَتْرُكْنَ وَضْعَهُ إِذَا شِئْنَ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ قَوْلَهُ: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ أَنَّ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ حَمْلَتُهُ وَوِلْدَتُهُ وَفَصْلَتُهُ فِي ثَلَاثِينَ شَهْرًا، لَا أَمْرٌ بِأَنْ لَا يَتَجَاوَزَ فِي مُدَّةِ حَمْلِهِ وَفِصَالِهِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا لِمَا وَصَفْنَا، وَكَذَلِكَ قَالَ رَبُّنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعْتُهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} ، فَإِنْ ظَنَّ ذُو غَبَاءٍ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِذْ وَصَفَ أَنَّ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَوَضَعَتْهُ، وَفَصَلَتْهُ فِي ثَلَاثِينَ شَهْرًا، فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ خَلْقِهِ ذَلِكَ صِفَتُهُمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ حَمْلَ كُلِّ عِبَادِهِ وَفِصَالِهِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا؛ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ عِبَادِهِ صِفَتَهُمْ أَنْ يَقُولُوا إِذَا بَلَغُوا أَشَدَّهُمْ وَبَلَغُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدِيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} عَلَى مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الَّذِي وَصَفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِي وُجُودِنَا مَنْ يَسْتَحْكِمُ كُفْرُهُ