وقد جعل الله جل ثناؤه الطلاق فِي تشريعه الحكيم مرتين متفرقتين فِي طهرين - كما دلت على ذلك السنة المطهرة - فإن شاء أمسك، وإن شاء طلق وأمضى الطلاق، فيكون الزوج على بينة مما يأتي وما يذر، ولن يتفرق بالطلاق بعد هذه الرويّة وهذه الأناة إلا زوجان من الخير ألاّ يجتمعا لصالح الأسرة وصالحهما بالذات.
يقول الأستاذ الفاضل (أحمد محمد جمال) فِي كتابه"محاضرات فِي الثقافة الإسلامية"ما نصه:"ومما ينبغي ملاحظته هنا فِي حديثنا الموجز عن الطلاق فِي الإسلام، أن الشريعة الإسلامية انفردت بنظام (المراجعة) فِي الطلاق دون الشرائع الأخرى، حرصاً على إعادة الرباط الزوجي بين الزوجين، وحفاظاً على الذرية من الضياع والتشرد، واستصلاحاً لما فسد بين الزوجين من مودة وسكن، ويعتبر الطلاق الرجعي فِي الإسلام - وهو المرة الأولى والثانية - فترة اختبار للزوجين، وفرصة تأمل ومراجعة للأخطاء والزلات والندم والتوبة، ثم العودة إلى بيت الزوجية وما يظلله من مودة ورحمة وسكن وذرية."
كما ينبغي أن نلاحظ أيضاً أن الإسلام جاء ليصحّح وضعاً خاطئاً، ويحفظ للمرأة كرامة كانت مضيعة على عهد الجاهلية الأولى، إذ كان العرب يطلّقون دون حصر أو عدد، فكان الرجل يطلق ما شاء ثم يراجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها إضراراً لها، حيث تظل معلّقة بين طلاق ورجعة فِي نهاية العدة، ثم طلاق فِي بداية الرجعة وهكذا، فنزل القرآن الكريم يضع لهذه الفوضى حداً، ولهذا الظلم النازل بالنساء قيداً {الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} . انتهى انتهى. {روائع البيان فِي أحكام القرآن حـ 1 صـ 318 - 345}