وقد رجّح العلامة"ابن القيم"فِي كتابه"زاد المعاد"هذا القول ونصره وأيده فقال:"إن لفظ (القرء) لم يستعمل فِي كلام الشارع إلاّ للحيض ، ولم يجئ عنه فِي موضع واحد استعماله للطهر ، فحملُه فِي الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى ، بل يتعين ، فإنه عليه السلام قد قال للمستحاضة:"دعي الصلاة أيام أقرائك"وهو صلى الله عليه وسلم المعبّر عن الله ، وبلغه قومه نزل القرآن ، فإذا أورد المشترك فِي كلامه على أد معنييه ، وجب حمله فِي سائر كلامه عليه إذا لم يثبت إرادة الآخر فِي شيء من كلامه البتة ، ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها ، وإن كان له معنى آخر فِي كلام غيره ، وإذا ثبت استعمال الشارع للقرء فِي الحيض علم أن هذا لغته فيتعين حمله عليها فِي كلامه ، ويدل على ذلك ما فِي سياق الآية من قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ} وهذا هو الحيض والحمل عند عامة المفسرين ، وأيضاً فقد قال سبحانه:"
{واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض ...} [الطلاق: 4] الآية فجعل كل شهر بإزاء حيضة وعلّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر ، وقال فِي موضع آخر {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] معناه لاستقبال عدتهن لا فيها ، وإذا كانت العدة التي يطلق لها النساء مستقبلة بعد الطلاق ، فالمستقبل بعدها إنما هو الحيض ، فإن الطاهر لا تستقبل الطهر ، إذ هي فيه وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها"."
الحكم الثالث: ما معنى قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ} ؟
اختلف المفسرون فِي المراد من هذه الآية على أقوال:
فقال بعضهم: المراد بما خلق الله فِي أرحامهن: (الحمل) وهو قول عمر ، وابن عباس ، ومجاهد .
وقال بعضهم: المراد به (الحيض) وهو قول عكرمة ، والنخعي ، والزهري .