وقد اتفقَ النَّاسُ على أنَّ الطلاقَ من غيرِ إشهادٍ جائزٌ.
وأمَّا الرجعةُ:
فيحتملُ أن تكونَ في معنى الطلاق؛ لأنها قَرينَتُهُ، فلا يجبُ فيها الإشهادُ، ولأنها حَقٌّ للزوج، فلا يجبُ عليهِ الإشهادُ على قبضه.
ويحتمل أن يجبَ الإشهادُ، وهو ظاهرُ الخِطاب.
وبالأول قالَ مالكٌ، والشافعيُّ في الجديد.
وبوجوبِ الإشهادِ قالَ في القديمِ، وأجازه في روايةِ الربيعِ.
فمن أوجبَ الإشهادَ لزَم عندَه ألا تجوزَ الرجعةُ إلَّا بالقولِ، ولا تجوزَ بالفعلِ، ولزمَ عنده ألا تصحَّ بالكنايةِ؛ لأنَّ الشهودَ لا يَطَّلعِون على النِّيَّةِ.
والذين لم يُوجِبوا الإشهادَ اختلفوا في جَوازِ الإمساكِ بالفعلِ:
فقال الشافعيُّ: لا تَجوزُ الرجعة بالفعل.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: تجوزُ بالوَطْءِ.
ثم اختلفا: فقالَ مالكٌ: لا تجوزُ الرجعةُ بالوَطْءِ إلَّا إذا نوى الرجعة.
ولم يشترطْ أبو حنيفةَ ذلك؛ كالمظاهِر والمُؤْلي.
* والقول الذي تَحْصُلُ به الرجعةُ عندَ منِ اشترطَ القولَ كُلُّ لفظٍ يدلُّ على الارتجاعِ؛ كقولكَ: راجَعْتك، وارتَجَعْتك، وَرَدَدْتُكِ إليَّ.
وفي قوله: أمْسَكْتك، وَجْهانِ عندَ الشَّافعية:
أحدهما: أنَّه كنايةٌ، فلا تصحُّ به الرجعةُ إلَّا بالنيَّةِ؛ لأنهُ يُستعملُ في الاستدامَةِ والبقاءِ على الحالةِ الأولى.
والثاني: يصحُّ؛ لأنَّه عُرْفٌ في الإمساكِ وردَ بهِ القرآنُ، قال اللهُ تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 229] ، وقال تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] .
* وقَدَّرَ اللهُ سبحانَهُ نِصابَ الشَّهادَةِ في الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ بشاهِدَيْن، وقِسْنا عليه كُلَّ أَمْرٍ ليس بمالٍ، ولا يقصدُ بهِ المالُ.
258 - (3) قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] .
معنى قوله تَعالى: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} أي: شَكَكْتُمْ في حُكْمِهِنَّ، لم تَعْلَموا عِدَّتَهُنَّ.