* ثم نهانا اللهُ سبحانَهُ أن نخرجَهُنَّ من بيوتهنَّ اللاتي طُلِّقْنَ فيها، ونَهاهُنَّ أن يخرجْنَ، إلَّا أن يَأتينَ بفاحشةٍ مُبيِّنَةٍ، ومن زنا فإنَّها تخرجُ لإقامةِ الحَدِّ عليها.
وقال الشافعيِّ - رحمَهُ اللهُ تعالى -: الفاحشة أن تبدُوَ على أهلِ زَوْجِها، فيأتي من ذلكَ ما يُخاف منه الشِّقاقُ بينَها وبينَهم، فإذا فعلتْ، حَلَّ لهم إخراجُها، وكانَ عليهم أن يُنْزِلوها منزلاً آخر، وأسندَ ذلكَ إلى ابنِ عباسٍ - رضيَ اللهُ تعالى عنهما - ، واستدلَّ له بحديثِ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ
الآتي قريباً - إنْ شاءَ اللهُ تعالى - ، وسيأتي الكلامُ عليه أيضاً - إنْ شاء الله تعالى - .
* وأشارَ اللهُ سبحانَهُ إلى عِلَّةِ الحُكْم، وهو تَمامُ الِعشْرَةِ وبَقاءُ الزوجيَّةِ بينَهما بقوله تعالى: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] أي: رجعةً.
فإن قلتَ: فإذا كانتِ الرجعةُ عِلَّةً لإيجابِ السُّكنى، فهلاّ كانْت علَّة لتحريمِ إيقاعِ الثلاثِ جملةً؛ لِما فيهِ من تركِ الرجعة.
قلنا: قد ذكرَ الشافعيِّ - رحمهُ اللهُ تعالى - هذه الشُّبْهَةَ، فقال للقائِل بها: فما تقولُ في المدخولِ بِها إذا أرادَ زوجُها أن يطلقها اثنتينِ، وهو يملكُ الرجعةَ؟ قال: هذا ليس بِسُنَّةٍ، قال: فيلزمُكَ أن تقولَ: سنةٌ؛ لأنَّه يملكُ الرجعة، قال: فما تقولُ في رجلٍ لم يبق له إلَّا واحدةٌ، وفي رجلٍ لم يدخلْ بامرأته؛ أيوقعَ هذان الطلاقانِ سنةً؟ قال: نعم، قال: فكيفَ يوقعُ سُنَّةً، وهو لا يملكُ الرجعة؟
257 - (2) قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] .
* أي: فإذا شارَفْنَ انقضاءَ الِعدَّةِ، فأردتم إمساكَهُن، فأمسكوهُنَّ بمعروفٍ، وهو ألَّا يقصدوا بالرجعة ضرارَهُنَّ، كما قال تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231] ؛ أو {فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] ،
وهو تركُهُنَّ على التسريحِ من غيرِ أخذِ شيءٍ من أموالهنَّ ضِراراً لهُنَّ.
* وأمرَ الله سبحانَهُ بالإشهاد في الرَّجْعَةِ والفِراق.