فإن خالفَ الرجلُ وطلَّقَ امرأتَه لغيرِ عدَّتِها التي أمرَ اللهُ تَعالى أن يطلَّق لها النساءُ؛ بأن طَلَّقها في الحَيْض؛ كما فعلَ ابنُ عمرَ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهما -:
فقالَ بعضُ أهل الظاهرِ: لا ينفذُ طلاقهُ، وهو خَطَأٌ؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَهُ بالرَّجعة، ولا تكون الرجعةُ إلَّا بعدَ وقوعِ الطلاقِ.
وفي بعض رواياتِ هذا الحديثِ عنِ ابنِ عمرَ - رضيَ الله تعالى عنهما - قال: حُسِبَتْ عليَّ بتطليقة.
ثم قال سائرُ أهلِ العلم: يؤمَرُ بالرجعةِ كما أمرَ النبيّ - صَلَّى الله عليه وسلم - ابنَ عمرَ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهما - إمّا وُجوباً، فإذا امتنعَ أجبَرهُ السُّلطانُ كما رآهُ مالكٌ، وإمّا استحباباً كما رآهُ أبو حنيفةَ، والشافعيّ، وأحمدُ، والثوريُّ.
وقولُ مالكٍ، أظهرُ، وقولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، أَقْيَسُ.
ثم إذا امتثلَ وراجعَ فإلى مَتى يمتدُّ تحريم الطلاق؟
ذهب مالكٌ والشافعيُّ إلى أنَّه يمتدّ إلى أن تطهرَ ثم تحيضَ، ثم تطهرَ،
ثم إن شاءَ طلَّق، وإن شاءَ أمسكَ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ - رضيَ اللهُ تعالى عنهما - .
وقال أبو حنيفةَ وسائرُ الكوفيين وبعضُ الشافعيةِ: إذا طَهُرَتْ من تلكَ الحيضةِ، فله أن يطلِّقَ إن شاء؛ لما روى يونسُ بنُ جبير قال: قلت لابن عمرَ: رجلُ طلقَ امرأتَه وهي حائض، قال: تعرفُ أنَّ ابن عمرَ طلقَ امرأتَه وهي حائضٌ، فأتى عمر النَّبي - صَلَّى الله عليه وسلم - ، فذكر له ذلكَ، وأمرَهُ أن يراجعَها، فإذا طَهُرَتُ، فأرادَ أْن يطلِّقَها، فَلْيُطَلِّقها.
وكذا رواهُ أنسُ بن سيرينَ، وسعيدُ بنُ جُبيرِ، وزيدُ بنُ أسلمَ، وأبو الزُّبيرِ.
فإن قلتَ: فإذا طلقها في طُهرِ مَسّها فيه، فهل يؤمَرُ بالرجعة؛ كما إذا طَلَّقها في الحيضِ؛ لأنَّه طلاقُ بدعة؟
قلت: لم يردْ فيه خبر، وأظنُّ مذهبَ مالكِ أنَّه لا يؤمرُ بالرجعة بالحيض، وظاهرُ مذهبِ الشَّافعي أنَّه يؤمرُ.
* وقد استنبطَ الفقهاءُ من أمرِ اللهِ سبحانَهُ بطلاقِ النساءِ لعدَّتِهن أن المرأةَ التي لا عِدَّةَ عليها إذا طُلِّقَتْ أنَّه لا حَرَجَ في طَلاقِها في حالِ الحَيْضِ؛ لأنَّه لا عِدَّةَ عليها، فتطلَّقُ لَها، ولا تجبُ عليها عدَّةٌ فيطوَّل عليها، والله أعلمُ.
* وأمرنا اللهُ سبحانَهُ بإحصاءِ العِدَّةِ لِيُعْرَفَ الوقتُ الذي تجوزُ فيه الرجعةُ، والوقتُ الذي لا تَجوزُ فيه، وذلك حَتّى تنقضيَ عِدَّتُها.