فإذا أراد أن يطلق فليس في كل لحظة يجوز الطلاق . إنما السنة أن يكون في طهر لم يقع فيه وطء . . وفي هذا ما يؤجل فصم العقدة فترة بعد موقف الغضب والانفعال . وفي خلال هذه الفترة قد تتغير النفوس , وتقر القلوب , ويصلح الله بين المتخاصمين فلا يقع الطلاق !
ثم بعد ذلك فترة العدة . ثلاثة قروء للتي تحيض وتلد . وثلاثة أشهر للآيسة والصغيرة . وفترة الحمل للحوامل . وفي خلالها مجال للمعاودة إن نبضت في القلوب نابضة من مودة , ومن رغبة في استئناف ما انقطع من حبل الزوجية .
ولكن هذه المحاولات كلها لا تنفي أن هناك انفصالا يقع , وحالات لا بد أن تواجهها الشريعة مواجهة عملية واقعية , فتشرع لها , وتنظم أوضاعها , وتعالج آثارها . وفي هذا كانت تلك الأحكام الدقيقة المفصلة , التي تدل على واقعية هذا الدين في علاجه للحياة , مع دفعها دائما إلى الأمام . ورفعها دائما إلى السماء .
والدلالة الرابعة للسورة وما فيها من الترغيب والترهيب والتعقيب والتفصيل الشديد والتوكيد , هو أنهاكانت تواجه حالات واقعة في الجماعة المسلمة متخلفة من رواسب الجاهلية , وما كانت تلاقيه المرأة من العنت والخسف , مما اقتضى هذا التشديد , وهذا الحشد من المؤثرات النفسية , ومن التفصيلات الدقيقة , التي لا تدع مجالا للتلاعب والالتواء مع ما كان مستقرا في النفوس من تصورات متخلفة عن علاقات الجنسين , ومن تفكك وفوضى في الحياة العائلية .
ولم يكن الحال هكذا في شبه الجزيرة وحدها , إنما كان شائعا في العالم كله يومذاك . فكان وضع المرأة هو وضع الرقيق أو ما هو أسوأ من الرقيق في جنبات الأرض جميعا . فوق ما كان ينظر إلى العلاقات الجنسية نظرة استقذار , وإلى المرأة كأنها شيطان يغري بهذه القذارة .