إن له عدة دلالات تجتمع كلها عند سمو هذا الدين وجديته وانبثاقه من نبع غير بشري على وجه التأكيد . حتى لو لم تكن هناك دلالة أخرى سوى دلالة هذه السورة !
إنه يدل ابتداء على خطورة شأن الأسرة في النظام الإسلامي:
فالإسلام نظام أسرة . البيت في اعتباره مثابة وسكن , في ظله تلتقي النفوس على المودة والرحمة والتعاطف والستر والتجمل والحصانة والطهر ; وفي كنفه تنبت الطفولة , وتدرج الحداثة ; ومنه تمتد وشائج الرحمة وأواصر التكافل .
ومن ثم يصور العلاقة البيتية تصويرا رفافا شفيفا , يشع منه التعاطف , وترف فيه الظلال , ويشيع فيه الندى , ويفوح منه العبير: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) . . (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) . . فهي صلة النفس بالنفس , وهي صلة السكن والقرار , وهي صلة المودة والرحمة , وهي صلة الستر والتجمل . وإن الإنسان ليحس في الألفاظ ذاتها حنوا ورفقا , ويستروح من خلالها نداوة وظلا . وإنها لتعبير كامل عن حقيقة الصلة التي يفترضها الإسلام لذلك الرباط الإنساني الرفيق الوثيق . ذلك في الوقت الذي يلحظ فيه أغراض ذلك الرباط كلها , بما فيها امتداد الحياة بالنسل , فيمنح هذه الأغراض كلها طابع النظافة والبراءة , ويعترف بطهارتها وجديتها , وينسق بين اتجاهاتها ومقتضياتها . ذلك حين يقول: (نساؤكم حرث لكم) . فيلحظ كذلك معنى الإخصاب والإكثار .
ويحيط الإسلام هذه الخلية , أو هذا المحضن , أو هذه المثابة بكل رعايته وبكل ضماناته . وحسب طبيعة الإسلام الكلية , فإنه لا يكتفي بالإشعاعات الروحية , بل يتبعها التنظيمات القانونية والضمانات التشريعية .