وأما خبر عمر فلا حجة فيه، لأنه لم يقل لا بأس بالشطرنج، وإنما قال: لا بأس بما كان آلة الحرب.
وإنما قال هذا لأنه شبه عليه أن اللعب بالشطرنج مما يستعان به على معرفة أسباب الحرب.
فلما قيل له ذلك، ولم يحط به علمه ولا بخلافه.
قال: لا بأس ما كان آلة الحرب، أي إن كان كما يقولون فلا بأس به.
وكذلك ما روي عنه من الصحابة أنه لم ينه عنه، فإن ذلك محمول منه على أنه ظن إن ذلك ليس ينهى به، وإنما يراد به النسب إلى علم القتال والمهارة فيه، أو على أن الخبر المسند لم يبلغهم، وإذا صح الخبر فلا حجه لأحد معه.
وإنما الحجة فيه على الكافة.
فإن قال قائل: إذا كانت المسابقة بالخيل والبغال جائزة، وإن كان فيها ضرب من الخطر لأنه يستعان بها على القتال، ويستعد بهما للقاء العدو، فهلا قلتم إن اللعب بالشطرنج مباح لأنه يعلم به تدبير الحرب ويوقف به على كيفية استقبال العدو والإحتيال عليه والتخلص به.
فالجواب: إن هذا المعنى غير صحيح، لأن من تدرب في الركض والرمي نفعه ذلك عند لقاء العدو ولا محالة فإنه يقوى بالركض على الطلب في وقته، والهرب في حينه، والتقبل على النكاية في عدوه، والدفع به عن نفسه وغيره، وليس اللعب بالشطرنج مثلهما، لأنه قد يجوز أن يحذق فيه التلاعب ويتمهر، حتى إذا وقع إلى إلقاء العدو كان إحذق الناس بتدبيره وأجهلهم بوجه أمره، فصح أنه ليس فيه ما ذكروا من الفائدة.
وجواب آخر: وهو أن اللعب بالشطرنج لو كان يهدي إلى القتال، وصار ذلك من معاونة، لوجب أن يستحب ويندب إليه.
فإن الله - عز وجل - يقول: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} ولما أجمعت الأمة على أن تركه أولى من فعله ثبت أنه ليس في معنى السباق والنضال بالمال.
وأيضاً فلو كان في معناهما لجاز أخذ المال عليه، كما يجوز السباق والنضال بالمال، ولما اجتمع العلماء على أن أخذ المال عليه حرام، وإن اللعب بشطر المال، فما يصح أنه ليس كالسباق والنضال.
وأيضاً فإن الفائدة التي تدعى لها إن كانت فيه فهي معمورة بالمكان التي عمدناها فكانت كالخمر التي حرمها الله تعالى مع إثباته المنافع لها، لأن إثمها أكثر من نفعها، والميسر كذلك والله أعلم.
وإذا ثبت أن اللعب بالنرد والشطرنج حرام، فحرام باللعب بالأربع عشرة، وكل لعب شاركهما في معناها مثله.
وروي عن عمر رضي الله عنه، أنه دخل على بعض أهله وهم يلعبون بهذه الجهاردة فكسرها.