والمعنى: حقق الله أن يجعل بينكم وبين أعدائكم من كفار مكة محبة بعد البغض، ومودة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة، والله قدير على ما يشاء، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة، غفور لخطيئة من ألقى إليهم بالمودة إذا تابوا منها، رحيم بهم أن يعذبهم بعد التوبة. وقد تم ذلك بفتح مكة حين دخل المشركون في دين الله أفواجًا، وتم بينهم التصافي والتصاهر، وكان بينهم أتم ما يكون من وثيق الصلات. كما قال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} . وقال: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) } .
8 -ثم أباح لهم صلة الذين لم يقاتلوهم من الكفار، فقال: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ} صلة {الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} ؛ أي: على الدين، أو في حق الدِّين وإطفاء نوره {وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} وأوطانكم؛ أي: لا ينهاكم الله سبحانه عن مبرة هؤلاء، فإن قوله تعالى: {أَنْ تَبَرُّوهُمْ} وتحسنوا إليهم بدل من الموصول بدل اشتمال. لأن بينهم وبين البرّ ملابسة بغير الكلية والجزئية، فكان المنهي عنه برهم بالقول وحسن المعاشرة، والصلة، بالمال لا أنفسهم. وقوله: {وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} تفسير لتبروا معطوف عليه. وضمن تقسطوا معنى الإفضاء، فعدي تعديته. أي: تفضوا إليهم بالقسط والعدل ولا تظلموهم، وناهيك بتوصية الله المؤمنين أن يستعملوا القسط مع المشركين ويتحاموا ظلمهم مترجمة عن حال مسلم يجترئ على ظلم أخيه المسلم كما في"الكشاف". {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ؛ أي: العادلين في المعاملات كلها.