وفي هذه الآية دلالة بينة على تفضيل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنه حين أمر بالاقتداء به أمر على الإطلاق ولم يستثن، فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ، وحين أمر بالاقتداء بإبراهيم استثنى، وأيضًا قال تعالى في سورة الأحزاب: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) } . فأطلق الاقتداء ولم يقيده بشيء.
والخلاصة: أي وليس في وسعي إلا الاستغفار لك، ولا أستطيع أن أنفعك بأكثر من هذا، فإن أراد الله عقوبتك على كفرك .. فلا أدفعها عنك.
ثم أخبر عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرؤوا منهم، ولجؤوا إلى الله وتضرعوا إليه، فقال: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} إلخ. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان من دعاء إبراهيم وأصحابه: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} واعتمدنا في جميع أمورنا {وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} بالتوبة عن المعصية والإقبال على الطاعة؛ أي: المرجع في الآخرة. وتقديم الجار والمجرور في الثلاثة لقصر التوكل والإنابة والمصير على الله تعالى. وهذا من دعاء إبراهيم وأصحابه، ومما فيه أسوة حسنة يقتدى به فيها. وقيل: هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا هذا القول. والتوكل: هو تفويض الأمور إلى الله. والإنابة: الرجوع إليه بالتوبة. والمصير: المرجع إليه في الآخرة للمجازاة.
وعبارة"الكشَّاف":
فَإِنْ قُلْتَ: بم اتصل به قوله تعالى: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} ؟
قلت: بما قبل الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة. ويجوز أن يكون المعنى: قولوا ربنا - أمرًا من الله تعالى للمؤمنين بأن يقولوه وتعليمًا منه لهم - تتميمًا لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار، والاستئساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم، وتنبيهًا على الإنابة إلى الله، والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر، والاستغفار مما فرط منهم. أي: فهو مقول لقول محذوف. انتهى.