إلى كون الضَّمير للْمُنَافقينَ بل يهلكهم الله تَعَالَى لظهور كفرهم حِينَئِذٍ لكنه لم يقع. وقيل
الْمُرَاد بالضَّمير الضَّمير الظَّاهر وكونه مستترًا سهو غير مستتر كأنه نظر إلَى أن الواو ضمير
الْفَاعل وهو ظَاهر وهذا قول البعض عَلَى أنه أمر ظَاهر لا يناسب المناقشة فيه.
قَوْلُه تَعَالَى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ(13)
قوله: (أي أشد مرهوبية مصدر للفعل المبني للمَفْعُول) أشد مرهوبية لأن الْمُؤْمنينَ
مرهوب منهم لا راهبون. الظَّاهر أن الْمُرَاد الحاصل بالمصدر وهذا أبلغ من لأنتم أرهب
على أنه مبني للمَفْعُول.
قوله: (في صدورهم) للتأكيد دفعًا لتوهم الْمَجَاز.
قوله: (فإنهم كانوا يضمرون مخافتهم من الْمُؤْمنينَ) فكونها في صدورهم كناية عن
الإضمار كذا قيل. كأنه أشار به إلَى أنه ليس تأكيدًا فلا يكون مثل سمعت بأُذُنِي مثلًا، لكن الرهبة
والخوف لا يكون إلا في الْقُلُوب ويعلم ذلك بأمارات أو بإخبار. غاية الأمر أن خوفهم لم يظهر
لأنهم بالغوا في الإخفاء. فقوله في صدورهم تنبيه عَلَى ذلك فلا ينافي كونه تأكيدًا.
قوله: (عَلَى ما يظهرونه نفاقًا) أي لأنتم أشد رهبة في صدورهم من رهبة الله بتقدير
الْمُضَاف كائنة عَلَى ما يظهرونه نفاقًا. والحاصل أن رهبتهم منكم في السر أشد مما يظهرون لكم
من رهبة الله فإنهم كانوا يدعون عندهم رهبة شديدة من الله تَعَالَى نفاقًا.
قوله: (فإن استبطان رهبتكم سبب لإظهار رهبة الله) فإن استبطان رهبتكم أي إخفاء
الخوف منكم سبب لإظهار خوف الله تَعَالَى فيكون خوفهم منهم أشد من رهبة الله تَعَالَى
فهذا تعليل لأشد الرهبة وبيان وجهه.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى ما يظهرونه نفاقًا. وحاصل الْمَعْنَى أن الْيَهُود يرهبون منكم رهبة أشد من رهبتهم من الله
التي يظهرونها لكم. قوله فإن استبطان رهبتكم سبب لإظهار رهبة الله تعليل لأشدية رهبتهم من الْمُؤْمِنِينَ
في السر من رهبة الله يظهرونها لهم لأن السبب أشد وأقوى من المسبب. قال صاحب الكَشَّاف: يعني أنهم
يظهرون لكم في العلانية خوف الله وأنتم أهيب في صدورهم من الله. ثم قال فإن قلت: كانوا يرهبون من
الله حتى تكون رهبتهم منهم أشد؟ قلت معناه أن رهبتهم في السر منكم أشد من رهبتهم من الله التي
يظهرونها لكم رهبة شديدة من الله، ويجوز أن يريد أن الْيَهُود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم
من الله لأنهم كانوا قومًا أولي بأس ونجدة، [فكانوا] يتشجعون لهم مع إضمار الخيفة في صدورهم. إلَى هنا
كلامه وجه رحمه اللَّه معنى الآية بتوجيهين وحاصل التوجيه الأول أنهم يظهرون لكم خوف الله تَعَالَى
مع أنهم لا يخافونه تَعَالَى، ومعنى التوجيه الثاني أنهم يظهرون لكم أنهم لا يخافونكم مع أنهم يخافونكم
ويخافون الله تَعَالَى خوفًا لا [يعتد] به، ولذلك قال حتى يخشوه حق خشيته.