ثم القتال الموضوع فيما بينهم رحمة في الحقيقة، وإن كان في الظاهر ليس برحمة؛ لأنه وضع ليضطرهم ذلك إلى قبول الإسلام والتوحيد، وفي قبولهم ذلك نجاتهم، وما وصفهم بالرحمة على المؤمنين، ليس فيه أنهم ليسوا بأشداء عليهم إذا عاينوا منهم المناكير والفواحش حتى يتركوا التغيير عليهم؛ بل من الشفقة لهم عليهم ما يغيرون عليهم المنكر؛ إذ في ذلك نجاتهم، وذلك لا يزيل عنهم الرحمة التي وصفهم بها؛ بل ذلك من الشفقة لهم والرحمة، واللَّه أعلم.
ثم نعتهم وقال: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) أن يحتمل وجهين:
أحدهما: وصف لهم بالمداومة في إقامة الصلوات بالجماعات، وأراد بالركوع والسجود: هو الصلاة على طريق الكناية.
والثاني: عبارة عن الخضوع لربهم، والتواضع للمؤمنين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) . يحتمل قوله: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ)
أي: الجنة؛ أي: يبتغون بكل ما وصفهم من الرحمة، والشدة، والركوع، والسجود الجنة، والفضل يذكر عبارة عن الجنة في القرآن في غير موضع.
وجائز أن يكون ما ذكر من ابتغائهم الفضل من اللَّه - تعالى - ما يتعايشون به.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ) . أي: يبتغون ما يتعيشون به.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ) . أي: يبتغون معيشة يتقوون بها على طاعة اللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرِضْوَانًا) . أي: رضا ربهم، وهو بمعنى الفضل - أيضًا - على التكرار للتأكيد؛ كقوله - تعالى -: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ، لكنه أخبر أنهم يبتغون ذلك الفضل والرضوان من اللَّه - تعالى - واللَّه أعلم.