وكل ما ذهب إليه المسيحية من تقنين أو تشريع فهي لم تتعرض لحكم الطلاق أصلا.
وكان الطلاق قبل الإسلام منتشرا في جميع أمم الشرق، لا فرق بين يهودي أو مسيحي أو وثني، وكذا بين الرومانيين، فلقد اعتبر قانون"الموائد الاثنتي عشرة"الطلاق جائزاً. ولعل الرومانيين في أخريات أمرهم أصلحوا كثيراً من شأن المرأة وأنصفوها. فإنهم بإجازتهم الطلاق إنما أرادوا حماية إنسانية المرأة، لأن الرجل في القرون الأولى كان لابد له أن يقتل امرأته عقابا لها على بعض الجرائم كالسكر. فكانت عند الرجل كالأمة، كما أنها إذا طلبت من زوجها الطلاق اعتبر ذلك منها قحة ونشوزا يخول له عقوبتها.
ويقول الأمير على في كتابة"سر الإسلام"إن المعتزلة لا يجوزون وقوع الطلاق إلا بحكم القاضي الشرعي العادل، فلابد أن يمتحن الأسباب بلا تحيز فيوقع الطلاق أو يرفضع حسبما يراه صالحا. وهو ما يتجه التفكير إليه الآن في بلادنا.
ومن هنا يظهر أن من طوائف الإسلام من يعلقون الطلاق بحكم القاضي، فلا يصح عندهم وقوع الطلاق من الزوج إلا بعد محاسبته وامتحان الأسباب التي يبديها للتفرقة. وإن من أكبر الدلائل على بغض الشرع الطلاق أن جعل للرجل أن يسترجع امرأته في الطلقة الأولى والثانية، حتى يتروى ويتدبر ويرجع إليه رشده، حتى إذا طلق الثالثة وجبت عقوبته بعدم جواز الرجعة حتى تتزوج غيره، لما تبين من أنه سفيه الرأي ضعيف العزم.
قال تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} .
ومن هنا نجد أن الأصل في الطلاق التحريم إلا لسبب.
ذلك أهم ما عنى به المبشرون والمستشرقون من المطاعن في الدين الحنيف وصاحبه، وتجاوزوا حد الأدب مع خير دين، وخير الرسل وخاتمهم.
انتهى انتهى. {محمد في التوراة والإنجيل والقرآن، للشيخ/ إبراهيم خليل أحمد صـ 9 - 219} .