الرحمن 12. كذلك كان سيدنا سليمان يعبد الله واقفاً، لا على هيئة مريحة، فكان يشق على نفسه شكراً لله، ويقف عابداً لله حتى يتعب، فيراوح بين قدميه، ثم يستعين بالعصا يتكئ عليها من شدة تعبه. وقد قضى الله عليه الموت، وهو على هذه الهيئة، فلم يكتشف الجن موته، وظلوا يعملون بين يديه ويجتهدون خوفاً منه عليه السلام. وأراد الحق سبحانه أن يُنهى بموت سليمان مسألة شغلتْ الجن والإنس، هي قضية علم الجن للغيب، أراد سبحانه أن يفضح الجن، وأنْ يُظهر عجزهم عن علم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله. مات سليمان واقفاً متكئاً على عصاه، وظل على هذه الحالة حتى سلَّط الله على عصاه دابة الأرض، كما قال سبحانه {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ..} سبأ 14. البعض يفهم أن {دَابَّةُ الأَرْضِ ..} سبأ 14 الأرض التي تقابل السماء، لكن المراد الدابة التي تَقْرِض كما نقول قرض الفأر كذا وكذا، وفعلها قرض يقرض قَرْضاً. مثل ضرب يضرب ضرباً، وهذه الدابة هي العتة التي تصيب الخشب وتأكله. هذه الدابة أو العتة ظلتْ تنخر في العصا حتى اختلَّ توازن سليمان عليه السلام، فسقط على الأرض {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} سبأ 14 أي ما مكثوا وما ظلُّوا في العذاب المهين. ومعنى خَرَّ سقط بلا نظام، كما جاء في قوله تعالى
{فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ..}
النحل 26. فالخرور انهيار بلا نظام وبلا ترتيب، وعندها فقط عَلِم الجن بموت سليمان، وكذلك الإنس، وعلموا أنهم لا يعلمون الغيب، ولو علموا الغيب لاكتشفوا موته، وما لبثوا في العمل، وفي التعب والعذاب طوال هذه المدة، عندها انكشف أمرهم، وعُلم كذبهم وادعاؤهم معرفة الغيب. وقوله تعالى {مَا لَبِثُواْ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} سبأ 14 يدل على أن الجن يتعب من العمل ويطرأ عليه ما يطرأ على كل حيٍّ من تعب وإجهاد. والمِنْسأة هي العصا من الفعل نَسَأ بمعنى أخَّر، وسُميَتْ العصا منسأة لأن الإنسان يزجر بها الهوام والحيوانات الضارية التي تؤذيه ويؤخرها عنه ويبعدها ويُردعها لذلك سميت منسأة. وسيدنا موسى - عليه السلام - قال في عصاه لما سأله ربه