وقد ورد هذا المعنى أيضاً في قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ...} [الأنعام: 151] فتعالوْا أي: ارتفعوا عن قوانين البشر وقوانين الأرض إلى قوانين السماء ؛ لأنه يُشترط فيمَنْ يضع القانون ألاَّ يفيد من هذا القانون ، وأن يكون مُلِماً بكل الجزئيات التي يتعرض لها القانون والبشر مهما بلغتْ قدرتهم ، فإنهم يعلمون شيئاً ويجهلون آخر ؛ لذلك لا ينبغي أَنْ يُقنِّن لهم إلا خالقهم عز وجل .
ومعنى {أُمَتِّعْكُنَّ ...} [الأحزاب: 28] أي: أعطيكُنَّ المتعة الشرعية التي تُفْرض للزوجة عند مفارقة زوجها ، والتي قال الله فيها: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين} [البقرة: 241] .
وقوله {وَأُسَرِّحْكُنَّ} [الأحزاب: 28] التسريح هنا يعني الطلاق {سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 28] ذلك يدلُّ على أن المفارقة بين الزوجين إنْ تمتْ إنما تتم بالجمال أي: اللطف والرقة والرحمة بدون بشاعة وبدون عنف ؛ لأن التسريح في ذاته مفارقة مؤلمة ، فلا يجمع الله عليها شدتين: شدة الطلاق ، وشدة العنف والقسوة .
ولك أنْ تلحظ أن لفظ الجمال يأتي في القرآن مع الأمور الصعبة التي تحتاج شدة ، واقرأ قوله تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ...} [يوسف: 83] والصبر يكون جميلاً حين لا يصاحبه ضَجَر ، أو شكوى ، أو خروج عن حَدِّ الاعتدال .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض على زوجاته التسريح الجميل الذي لا مشاحنةَ فيه ولا خصومةَ إنْ اخترْنَهُ بأنفسهن ، وما كان رسول الله ليمسك زوجة اختارتْ عليه أمراً آخر مهما كان .