فَقَالُوا: هَذَا الْخَبَرُ أَيْضًا قَدْ حَوَى الدَّلَالَةَ مِنْ وُجُوهٍ عَلَى أَنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَبَيْنَ اخْتِيَارِهِنَّ الطَّلَاقَ أَوْ الْبَقَاءَ عَلَى النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَهَا: {لَا عَلَيْك أَنْ لَا تُعَجِّلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك} وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاسْتِئْمَارَ لَا يَقَعُ فِي اخْتِيَارِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ، فَثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِئْمَارَ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ فِي الْفُرْقَةِ أَوْ الطَّلَاقِ أَوْ النِّكَاحِ.
وَقَوْلُهَا: (إنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِنِي بِفِرَاقِهِ) وَقَوْلُهَا: (إنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ قَدْ اقْتَضَتْ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ تَخْيِيرَ طَلَاقٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} فَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ إذَا اخْتَرْنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وُقُوعَ طَلَاقٍ بِاخْتِيَارِهِنَّ ، كَمَا يَقُول الْقَائِلُ لِامْرَأَتِهِ: (إنْ اخْتَرْت كَذَا طَلَّقْتُك) يُرِيدُ بِهِ اسْتِئْنَافَ إيقَاعٍ بَعْدَ
اخْتِيَارِهَا لِمَا ذَكَرَهُ.