ثم قال تعالى ذكره: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} ، فمن يرد صفة للجبال ، كما يقول: أعطيتك من طعام من بُرٍٍّ ، فالجبال هي من برد مخلوقة ، وفيها صفة أيضاً لجبال ، كأنه قال: وينزل من السماء من جبال مستقرة في السماء مخلوقة من برد.
وقيل: المعنى: وينزل من السماء قدر جبال أو أمثال جبال ، من برد إلى الأرض .
فيكون {مِن بَرَدٍ} ، في موضع نصب على البيان كقوله: {أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً} [المائدة: 95] .
وقال الزجاج: معناه وينزل من السماء من جبال من برد فيها . كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد ، أي خاتم حديد في يدي وإنما جئت في (هذا) وفي الآية بـ (من) لما فرقت ، ولأنك إذا قلت: هذا خاتم من حديد ، وخاتم حديد ، كان المعنى واحداً ، ويجوز أن يكون من برد في موضع نصب كما تقول: مررت بخاتم حديداً على الحال عند سبيويه . وعلى البيان عند المبرد ، وإن شئت كان في موضع خفض على البدل كما تقول: مررت بخاتم حديد على البدل.
وقيل: التقدير من جبال برد يتنوينهما ، قاله الفراء . كما تقول: الإنسان من لحم ودم ، والإنسان لحم ودم ، فالجبال عنده هي البرد وليست الآية كالتمثيل الذي مثل ، لأن حرف العطف في التمثيل وليس في الآية حرف عطف .
وذهب الأخفش إلى أن من زائدة فيهما ، ومن جبال ، ومن برد في موضع نصب عنده.
وقوله: {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ} ، أي: فيصيب بالبرد من يشاء فيهلكه أو يهلك به زرعه ، ويصرفه عن من يشاء أي عن إهلاك من يشاء.
ثم قال: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} ، أي: ضوؤه يذهب بالأبصار لشدة لمعانه . وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: {يَذْهَبُ بالأبصار} ، بالضم وخطأه / الأخفش ، وأبو حاتم لأن"الباء"تعاقب الهمزة . وقيل: إن"جوازه"على زيادة الباء .