وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ أي كل حيوان يدب على وجه الأرض مِنْ ماءٍ يحتمل أن المراد بالماء الماء المخصوص كالنطفة. أو المراد به الماء العادي، فإنه واحد، مع أن الأحياء التي يدخل الماء في تركيبها - كأهم شيء وأكثره - مختلفة الأجناس والأشكال. وفي ذلك كله دليل قدرته فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ كالحية وما
شاكلها وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ كالإنسان والطير وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ كالأنعام وسائر الحيوانات ولهذا قال: يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ أي بقدرته، لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولهذا قال إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يتعذر عليه شيء.
كلمة في السياق:
إن في هذه الآية تدليلا على هداية الله نجده في قوله تعالى فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ إلا أن الآية في سياقها الرئيسي تدليل على القدرة. فالله الذي خلق من الماء الواحد هذه الأنواع الكثيرة من الأحياء، قادر على كل شيء. والهداية ليست إلا مظهرا من مظاهر القدرة. فإذا تقرر أن الله هو القادر، وأنه الهادي، فكيف لا يسلم له الإنسان شرعا وقدرا؛ فيدخل في الإسلام كله، ويسلم له ويستسلم.
ثم ختم الله المقطع بآية شبيهة بالآية التي ختم بها المقطع السابق فقال:
لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ يقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحكم والأمثال وغيرها ما هو معجزات ودلائل واضحات وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ بلطفه ومشيئته إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي إلى دين الإسلام الذي يوصل إلى جنته، لاحظ الصلة بين قوله تعالى: في هذه الآية وَاللَّهُ يَهْدِي وبين بداية المقطع: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي هاديهما، ولاحظ صلة هذه الآية بقوله تعالى في محور السورة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.
فوائد:
1 -بمناسبة قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ ... قال النسفي: (وضرب المثل يكون بدنيء محسوس معهود لا بعلي غير معين ولا مشهود. فأبو تمام لما قال في المأمون: