ومن قرأ (سحابٌ) بالتنوين (ظلمات) بالكسر والتنوين جعلها بدلاً من الظلمات الأولى. ومن قرأ (سحابُ ظلمات) فأضاف السحاب إلى الظلمات، فالظلمات هي الظلمات التي تقدّم ذكرها، وأضاف السحاب إليها لاستقلال السحاب وارتفاعه في ذلك الوقت وهو وقت كون هذه الظلمات كما تقول: سحاب رحمة، وسحاب مطر، إذا ارتفع في الوقت الذي يكون فيه المطر والرحمة.
فمن قال: هذا مثل لأعمال الكافر، فالمعنى أنه يعمل في حيرة لا يهتدي لرشد، فهو في جهله وحيرته كمن في هذه الظلمات.
قال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار.
ومن قال: هذا مثل لكفر الكافر فكفره عمله كما بيَّناه.
ومن قال: هذا مثل للكافر، فالكافر من عمله وكلامه متقلّب في ظلمات وجهالة.
ومن قال هذا مثل لقلب الكافر، وهو قول عامة المفسرين، فقال الكلبي: شبّه قلب الكافر بالبحر، يغشى ذلك البحر موج من فوق ذلك الموج موج. يعني ما يغشى قلبه من الشك والجهل والحيرة والرين والختم والطبع.
وقال السدي: يعني ظلمة القلب، وظلمة الصدر، وظلمة الجوف.
وهذا غير مرضي من القول، لأنَّ كل واحد بهذه الصفة لا ينفذ الضوء إلى جوفه وصدره وقلبه. إلاَّ أن يراد بظلمة قلبه أنَّه لا يُبصر نور الإيمان، ولا يعقل، ثم يبقى عليه ظلمة الصدر والجوف، فيحمل على ما قال مقاتل: قلب مظلم في صدر مظلم، وجسد مظلم لا يبصر نور الإيمان كما أن صاحب البحر إذا أخرج يده في الظلمة لم يكد يراها. فبين أن هذه الظلمات مثل لظلمات الجهل والحيرة.
وقوله {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} تأكيد لشدة هذه الظلمات. وهذا اللفظ يحتمل معنيين:
أحدهما: رآها من بعد أن كان لا يراها من شدة الظلمة.
والثاني: لم يرها ولم يكد.