قال الفراء: والأول وجه العربية؛ والثاني هو معنى الآية: لأنَّ أقل من هذه الظلمات التي وصفها لا يرى فيها الناظر كفّه.
ونحو هذا قال الزجاج سواء، وهو قول مقاتل والمفسرين، قالوا: معناه: لم يرها ألبتَّه. قال الحسن: لم يرها ولم يقارب الرؤية.
قال المبرّد: لم يقارب أن يراها، ومعنى {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} : نفي المقاربة من الرؤية.
وقال الأخفش: إذا قلت: (لم يكد يفعل) كان المعنى: لم يقارب الفعل ولم يفعل، على صحّة الكلام، وهكذا معنى الآية. إلَّا أنَّ اللغة قد أجازت (لم يكد يفعل) وقد فعل بعد شدة، وليس هذا صحة الكلام؛
لأنه إذا قال: (كاد يفعل) فإنما يعني قارب الفعل، وإذا قال: (لم يكد يفعل) يقول: لم يقارب الفعل. هذا كلامه.
فعند الأخفش والمبرّد إذا قلت: لم يكد يفعل، نفي للفعل والمقاربة منه. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: (كدت أفعل) معناه [عند العرب: قاربتُ الفعل ولم أفعل، و (ما كدت أفعل) معناه] : فعلت بعد إبطاء، وشاهده قوله: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] معناه: فعلوا بعد إبطاء، لتعذَّر وجدان البقرة عليهم.
قال: وقد يكون (ما كدت أفعل) بمعنى: ما فعلت ولا قاربت، إذ أُكِّد الكلام بأكاد وجعل صلة. وعلى ما ذكره (يكد) صلة في الآية وتأكيد، والمعنى: لم يرها. وأنشد:
سريعٌ إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما إن يكادُ قرنهُ يتنفس
أراد: ما إن يتنفس. وأنشد لحسان:
وتكاد تكسل أن تجيء فراشها
قال: أراد: وتكسل أن تجيء
قال: ويقال معنى قوله {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} : لم يُرد أن يراها؛ لأن تلك الظلمات آيسته من تأمل يده فيكد بمعنى: يُرد، وأراد: أن يراها، فحذف (أن) وارتفع الفعل كقوله {تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} [الزمر: 64] . وقيل في قوله {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76] : كذلك أردنا.