وإلا ، فكيف تعيش كل وقتك لأمور الدنيا على مدار اليوم والليلة ، ثم تستكثر على ربك هذه الدقائق التي تؤدي فيها فَرْض الله عليك فتجرجر الدنيا معك حتى في بيت الله؟ ألا تعلم أن بيوت الله ما جُعِلت إلا لعبادة الله؟ لابد للمؤمن أن يترك دُنْياه خارج المسجد ، وأن ينوي الاعتكاف على عبادة ربه والمداومة على ذِكْره في بيته ، فلا يليق بك أن تكون في بيت الله وتنشغل بغيره .
فإن التزمتَ بآداب المسجد تلقيتَ من ربك نوراً على نور ، وزال عن كاهلك الهمّ والغم وحُلَّت مشاكلك من حيث لا تحتسب .
إذن: فالحق تبارك وتعالى جعل في الفطرة الإيمانية أن تؤمن بإله ، فالإيمان أمر فطري مهما حاول الإنسان إنكاره ، فالكافر الذي ينكر وجود الله ساعة يتعرَّض لأزمة لا منجاةَ منها بأسباب البشر تجده تلقائياً يتوجه إلى الله يقول: يا رب ، لا يمكن أن يكذبَ على نفسه في هذه الحالة أو يُسلم نفسه ويبيعها رخيصة .
وفي ذلك يقول تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} [الزمر: 8] .
ومن دقة الأداء القرآني في هذه المسألة قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع} [الجمعة: 9] .
فذكر طرفاً واحداً من عملية التجارة وهو البيع ، ولم يقل: والشراء ، قالوا: لأنه حين يُمنع البيع يُمنع الشراء في الوقت نفسه ؛ ولأن الإنسان يحرص على البيع لكن قد يشتري وهو كاره ، فشهوة الإنسان متعلقة بالبيع لا بالشراء ، لأن الشراء يحتاج منه إلى مال على خلاف البيع الذي يجلب له المال .