ويجوز في الكلام نصب (كل) بإضمار فعل يفسره ما بعده، ويكون المنوي في {عَلِمَ} لله جل ذكره، أي: علم الله كلًّا علم صلاته وتسبيحه، فإن جعلت المستكن في {عَلِمَ} لـ {كُلٌّ} ضعف نصب (كل) عند صاحب الكتاب رحمه الله، لأنك إذا نصبته بإضمار فعل عديت فعله إلى نفسه، وذلك شيء يختص به أفعال القلوب، فاعرفه فإنَّ فيه أدنى غموض.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ
يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44) :
قوله عز وجل: {يُزْجِي سَحَابًا} أي: يسوقه، قيل: ومنه البضاعة المزجاة التي يزجيها كل أحد لا يرضاها.
وقوله: {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} أي بين قطعه وأجزائه، وبهذا التأويل ساغ دخول (بين) عليه، لأن (بين) لا يدخل على المفرد، لا يقال: زيد المال بينه. والسحاب: جمع سحابة، كنخل في نخلة.
وقوله: {يَجْعَلُهُ رُكَامًا} (الركام) : المتراكم بعضه فوق بعض، يقال: رَكَمْتُ المتاعَ أركُمه رَكْمًا، أي وضعتَ بعضَه على بعض.
وقوله: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} محل {يَخْرُجُ} النصب على الحال من {الْوَدْقَ} ، أي: خارجًا، والودق: المطر، وَدَقَ يَدِقُ وَدْقًا، أي قَطَرَ، والخلال: جمع خَلَلٍ، كجبال في جمع جبل، والخلل: الفرجة بين الشيئين.
وقوله: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} (مِن) الأولى لابتداء الغاية، وفي الثانية ثلاثة أوجه:
أحدها: بدل من الأولى على إعادة الجار، وهي لابتداء الغاية أيضًا على هذا، أي: وينزل من جبال السماء، أي: من جبال في السماء، وهو بدل البعض.
والثاني: للتبعيض، ومفعول (يُنَزِّلُ) محذوف، والتقدير: وينزل من السماء شيئًا من جبال، فحذف الموصوف كقوله: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ