فقوله تعالى: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} أي: إذا أخرج يده بَعُدَ عن مقاربة رؤيتها، وإنما جاز وقوع الماضي بعد (إذا) و (إن) لارتفاع اللبس وحصول العلم بأن الشرط إنما يكون لما يأتي من الزمان لا لما مضى، فالتقدير إذن في قوله تعالى: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} إذا يخرج يده لا يكاد يراها، لما بَيَّنَّا. فكاد ويكاد على هذا التقدير الصحيح الذي لا يجوز غيره باقيتان على الأصل المقدم ذكره فيهما من غير إخلال باستحقاقهما وضعًا واستعمالًا، ولا حاجة بنا إلى أن نعتقد أنها في الآية من حيّز الماضي، ثم ندعي لها من التأويل ما ليس لها، وبهذا يبطل القول بأنها ترى بعد جهد أو تقاعد كما زعموا، والله أعلم، وما علمت أن هذا التأويل في هذه الآية وقع لغيري، وقد ذكرت آنفًا ما قال فيها أماثل علماء العربية وضمنوه كتبهم، ونقلت نصهم فيها، ولم أستقص ذكر كل قائل اكتفاء بهؤلاء الأكابر، وتحاميًا
للإطالة، والله ولي التوفيق، انتهى كلامه - رحمه الله -.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) } :
قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ} الرؤية هنا من رؤية القلب.
وقوله: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} عطف على {مَنْ} ، وانتصاب {صَافَّاتٍ} على الحال من (الطَّيْرُ) ، أي: وتسبح له الطير باسطات أجنحتهن في الهواء. ويجوز في الكلام نصب (الطير) على جعل الواو بمعنى (مع) .
وقوله: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} (كل) رفع بالابتداء، وما بعده خبره، والمنوي في {عَلِمَ} لـ {كُلٌّ} أو لله جل ذكره. وكذلك الضمير المجرور في قوله: {صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} ، يجوز أن يكون لـ {كُلٌّ} ، وأن يكون لله تعالى، أي: علم كل هذه الأشياء المذكورة صلاة نفسه وتسبيحه، أو كلٌّ قد علم الله صلاته، أي: صلاة كُلٍّ وتسبيحه، أو قد علم كُلٌّ صلاة الله وتسبيحه، أي الصلاة التي لله، والتسبيح الذي له.