وقوله: {بِقِيعَةٍ} في موضع الصفة لسراب، أي: كسراب كائن أو مستقر بِقيعة، ويجوز أن تكون من صلة الاستقرار الذي يتعلق به الكاف الذي هو الخبر، هذا إذا جعلته حرفًا، وأما إذا جعلته اسمًا على معنى: أعمالهم مثل سراب، فلا.
والسراب: ما تراه نصف النهار حين يشتد الحر، كأنه ماء يجري. والقيعة والقاع في قول أبي عبيدة سواء، وهو ما انبسط من الأرض ولم يكن فيه نبت. وقال الفراء: القيعة جمع قاع كجيرة وجار، ونيرة ونار.
والياء في (قيعة) بدل من واو لسكونها وانكسار ما قبلها، بشهادة قولهم: أَقْوُعٌ وأَقْوَاعٌ، في جمع قاع.
وقرئ: (بقيعاة) بألف بعد العين وتاء مدورة، وفيها وجهان، أحدهما: أن الألف ناشئة من فتحة العين حين أشبعت. والثاني: أنها مثل قولهم: رجل عِزْهٌ وعِزْهَاةُ، للذي لا يقرب النساء واللهو، فهذا فِعْل وفِعْلَاة بمعنى، وتلك فِعْلَةٌ وفِعْلاة بمعنى، ولا فرق بينهما غير تاء مدورة، وذه مما لا يُعبأ به.
وقرئ أيضًا: (بقيعات) بتاء ممدودة، وهي جمع قيعة كديمات وقيمات، في ديمة وقيمة.
وقوله: {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} محل الجملة جر على أنها صفة لسراب، أي: يخال العطشان ذلك السراب ماء، وخص الظمآن [بالذكر] لشدة حاجته إلى الماء.
وقوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} الضمير المستكن في {جَاءَهُ} للمضروب به المثل {الظَّمْآنُ} ، وفي البارز وجهان، أحدهما: لما حسب أنه ماء. والثاني: [المكان الذي] فيه السراب. فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: {شَيْئًا} على الوجه الأول: مفعول ثانٍ لقوله: {لَمْ يَجِدْهُ} ، أي حتى إذا جاء إلى ما حسب أنه ماء لم يجده شيئًا مما حسبه. وعلى الثاني: منصوب على المصدر، أي حتى إذا جاء المكان الذي فيه السراب، لم يجد ذلك المكان الموصوف وجودًا، فـ {شَيْئًا} هنا واقع موقع وجودًا ووجدانًا، وكلاهما مصدر وَجَدَ الضالةَ وجودًا ووجدانًا، إذا أصابها، ونحوه قوله:
475 -فعاديت شيئًا. . . . ... . . . . . . . . . .
أي: تعاديت تعاديًا، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع.
وقوله: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} أي: ووجد جزاء الله عنده، فحذف المضاف.