وقوله: {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} أي: آتاه جزاء عمله وافيًا تامًا، وهذا تمام المِثْل. ثم مَثَّلَهُ بشيء آخر فقال جل ذكره:
{أَوْ كَظُلُمَاتٍ} : محل الكاف الرفع لكونها عطفًا على الكاف في {كَسَرَابٍ} ، وقد ذكرت قبيل أن {كَسَرَابٍ} خبر المبتدأ الذي هو {أَعْمَالُهُمْ} ، أو هي {كَظُلُمَاتٍ} ، فيحسن الوقف على هذا على {سَرِيعُ الْحِسَابِ} ، و {أَوْ} للتخيير، أو للإباحة على ما أوضحت في سورة البقرة عند قوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ} .
واختُلِف في حذف المضاف، فقال قوم: في الكلام حذف مضاف تقديره: أو كأعمال ذي ظلمات، بشهادة قوله: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} ، لأنه لا بد لهذا الضمير الذي أضيفت إليه {يَدَهُ} من شيء يعود إليه، وليس هنا شيء يعود إليه سواه، فلهذا قدر حذف (ذي) . وأما تقدير (أعمالهم) فَلِيَصِحّ تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب الظلمة، إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمات، ومعنى صاحب ظلمات: أنه في ظلمات.
وقال آخرون: لا حذف فيه، وإنما شبه سبحانه أعمالهم بالظلمة؛
لكونها تحول بين القلب وبين ما ينتفع به صاحبه، وأجابوا عن الضمير المذكور بأنه يعود إلى مضمر، أُضمر لدلالة المعنى عليه، والتقدير: إذا أخرج مَن فيها يده.
{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) } :
قوله عز وجل: {فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} صفة للمضاف المحذوف على الوجه الأول، وللظلمات في الثاني. و {لُجِّيٍّ} صفة لـ {بَحْرٍ} . واللجي: العميق الكثير الماء، منسوب إلى اللج، وهو معظم ماء البحر، يقال لُجُّ الماء ولُجَّتُهُ، أي: معظمه. {يَغْشَاهُ مَوْجٌ} صفة أخرى لبحر، والضمير لصاحب الظلمات أو للبحر، أي: يغطيه.
وقوله: {مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} صفة لموج، وارتفاع قوله: {مَوْجٌ} بالظرف على المذهبين؛ لكونه جرى وصفًا على الموصوف وهو موج الأول، يعني: فوق ذلك الموج موج آخر، وقيل: الموج الثاني: الريح.