قال صاحب الكشاف: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق، فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق مزعا - أي قطعا - في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح - أي المقاذف - البعيدة.
وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط
من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة، بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوى المتلفة.
ثم أمر - سبحانه - بتعظيم شعائره بعد أن أمر بتعظيم حرماته فقال: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ.
قال القرطبي: والشعائر: جمع شعيرة، وهي كل شيء لله - تعالى - فيه أمر أشعر به وأعلم. ومنه شعار القوم في الحرب، أي: علامتهم التي يتعارفون بها. ومنه إشعار البدنة وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة لها .. فشعائر الله: إعلان دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك. وقال قوم: المراد هنا تسمين البدن. والاهتمام بأمرها .. .
والمعنى: ذلك الذي أمرناكم به أو نهيناكم عنه عليكم امتثاله وطاعته، والحال أن من يعظم شعائر الله، التي من بينها الذبائح التي يتقرب بها إليه - تعالى - يكون تعظيمه إياها عن طريق تسمينها، وحسن اختيارها يكون دليلا على تقوى القلوب، وحسن صلتها بالله - سبحانه - وخشيتها منه، وحرصها على رضاه - عز وجل - .
قال الآلوسي: وتعظيمها أن تختار حسانا سمانا غالية الأثمان. روى أنه صلّى الله عليه وسلّم أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبى جهل في أنفه برة - أي حلقة - من ذهب. وعن عمر أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار، فسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك، وقال له: بل أهدها .. .
وفي إضافة هذه الشعائر إلى الله - تعالى -: حض على الاهتمام بها وفعل ما يرضى الله - تعالى - بالنسبة لها.