ولما حث الله على تعظيم حرماته، أَتبعه الأَمر باجتناب الأَوثان وقول الزور فقال سبحانه: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} : أَي فابتعدوا عن الرجس الذي هو الأَوثان، وكانت العرب تتخذها من الأَحجار أَو الأَخشاب أَو الذهب أَو الفضة أَو نحوها، ويعبدونها إشراكا وكفرا، وطلب اجتناب ذواتها للمبالغة في البعد عنها لأَنها نجس وقذر لا ينبغي القرب منه
فضلا عن عبادتها التي لا يليق وقوعها من إِنسان عاقل. {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} : تعميم بعد تخصيص؛ فإِن عبادة الأَوثان هي رأْس الزور لما فيها من ادعائهم أَنها مستحقة للعبادة.
أَي: واجتنبوا في كل ما تنطقون به قول الزور في عبادة أَو غيرها، حيث كانوا يقولون: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ} والزور: هو الكذب لأَن فيه انحرافا وميلا عن الحق. وقد قرن النهي عن قول الزور بالنهي عن الشرك لما له من أَسوأ الأَثر في إِثارة العداوات، وغرس الأَحقاد وتفتيت الجماعات بل قد يتمادى الكاذب فيكذب على ربه وخالقه في غير استحياءٍ ورهبة، ومن قول الزور: الشهادة بغير الواقع، فهى زور ينكر حقًّا ويثبت باطلا.
وفي الصحيحين عن أَبي بكرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أَلا أُنبئكم بأَكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: أَلا وقول الزور. أَلا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت) .
31 - {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ ... } الآية.
أَي: فاجتنبوا في إِسلامكم ما نهيتم عنه من عبادة الأَوثان، وقول الزور في حال كونكم مائلين عن كل دين زائغ وغير مشركين به - سبحانه - شيئًا من الأَشياءِ، فكل ما سواه - سبحانه - فهو مخلوق له، فلا يصح أن يعبد معه. {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ} جملة مبتدأَة لإِظهار قبح الإِشراك وسوءِ عاقبته.