ثم فصَّل سبحانه، ما أجمله في قوله: {يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} فقال: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا} بجميع مللهم. {قُطِّعَتْ} وقدرت {لَهُمْ} : على مقادير جثتهم. {ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ} ؛ أي: لباس من نيران هائلة، تحيط بهم إحاطة الثياب بلابسها، كما تقطع الثياب الملبوسة. قال الأزهري: أي سوّيت وجعلت لبوسًا لهم، شبهت النار بالثياب؛ لأنها مشتملة عليهم كاشتمال الثياب. وعبر بالماضي عن المستقبل، تنبيهًا على تحقق وقوعه. وقيل إن هذه الثياب من نحاس، قد أذيب فصار كالنار، وهي السرابيل المذكورة في آية أخرى. وقيل: المعنى: في الآية أحاطت بهم النار. وقرأ الزعفراني في"اختياره": {قُطِّعَتْ} بتخفيف الطاء.
ومعنى الآية: أي إن أهل الأديان الستة، التي سبق ذكرها فريقان، فريق المؤمنين، وفريق الكافرين أرباب الديانات الخمس المتقدمة، جادلوا في دين الله، فكل فريق يعتقد أن ما هو عليه هو الحق، وأن ما عليه خصمه هو الباطل، وبنى على ذلك كل أقواله وأفعاله، وهذا كاف في تحقيق الخصومة، وان لم يحصل بينهما تحاور بالفعل.
ثم ذكر مآل كل فريق، وما يلقاه من الجزاء، بعد أن يفصل الله بينهما، وذكر من جزاء فريق الكافرين أمورًا ثلاثة:
1 - {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ} ؛ أي: فالكافرون أعدت لهم نيران تحيط بهم كأنها ثياب قدرت على قدر أجسامهم، ولا يخفى ما في هذا الأسلوب من التهكم بهم، واحتقار شأنهم، والتعبير بثياب للإشارة إلى تراكم طبقات النار المحيطة بهم، وكون بعضها فوق بعض. ونظير هذه الآية قوله {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} .
2 - {يُصَبُّ} ويراق {مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} ؛ أي: الماء الحار الذي انتهت حرارته، لو قطرت قطرة منه على جبال الدنيا لأذابتها.