وتمضي السورة على هذا من باب النظرة الصحيحة للأشياء، وتقييم كل شيءٍ بقيمته، الملك الصالح يقول له بعض الناس الذين مر بهم عند السدين"إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا"تقبل أن تعطيك أجرة عظيمة وكبيرة على أن تسد ما بيننا وبين يأجوج ومأجوج حتى لا يخرجوا علينا ويفسدوا حياتنا،"قَالَ"هو ملك ما شاء الله بلغ المشرق والمغرب، أينظر إلى هذه الدولارات أو هذه الدينارات أو الدراهم أو كذا، تعالى على كل ذلك وسمى، تعالى وسمى عن كل ذلك فهذا لا يمثل له شيئاً في الدنيا فقد أعطاه الله ما هو خيرٌ من ذلك، فقال"مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ"ما أعطاني ربي خيرٌ مما عندكم ومما تعطوني، فإني لا أحتاج إلى كل هذا"قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ"أنا أحتاج رجلاً فقط يعاونونني، قوة بدنية، قوة يدوية، يد عاملة نقتلها من أجل البطالة، شغلها، استعملها، هكذا رفض المال وطلب قوة الرجال فهذه هي التي تقيم الحياة ولو في كهف، ولو على تراب، تقيم حياةً عظيمة بإيمانها بالله واعتصامها بالله،"قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ"أي خيرٌ مما عندكم"فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا"، أعطوني قوة رجال فقط، وأقام بينهم سداً منيعاً تحار العلماء فيه إلى اليوم، وكل المعادلات العلمية لم تصل لهذا الإعجاز حتى اليوم كما حدثني أهل التخصص في لك، إنها سبيكةٌ حديديةٌ نحاسية، قوالب من حديد بدلاً من أن تكون من حجر رُصَّت بطريقة معينة كطريقة البناء ثم صُبَّ عليها ما يمسكها ببعضها نحاسٌ مُذاب، يحارون إلى اليوم في تكوين وإنشاء سبيكة حديدية نحاسية لأن الحديد والنحاس لا يتجاذبان ولا يرتبطان، ربما يكشفها الله لهم يوماً من الأيام.
وهكذا كان الملك الصالح متعالياً أمام مال الدنيا وزخرف الدنيا ولم يقنع به، لأن ما أعطاه الله من الرضا والقناعة والإيمان كان خيراً له.