والكهف المذكور في السورة هو كهف أصحاب الكهف، كهف تلك الفئة المؤمنة التي أوت إليه هروباً من الظلم والظالمين، هروباً من الشرك والمشركين، فراراً بعقيدة التوحيد العظيمة السليمة، أووا إلى الكهف فنشر لهم ربهم من رحمته وهيأ لهم من أمرهم مرفقًا، فكانوا في حفظ الله وعنايته، وانتهوا إلى فضل الله ورحمته.
فسميت السورة بهذا الاسم الكهف، وهي سورةٌ مكية نزلت قبل هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلذلك هي تتسم بسمات القرآن المكي، وتحرص أيضاً على تأسيس العقيدة الإسلامية الصحيحة، ولكن تعرض هذا الغرض بعرضٍ جديد، حيث تبيِّن أثر العقيدة في حياة الإنسان، وأن العقيدة الصحيحة والتي هي عبارة عن مجموعة تصورات وتقريرات عن هذا الكون وما فيه وما حوله، من أنا - أنا الإنسان - من أنا؟ وما قيمتي في الوجود؟ وما أثري فيه؟ ما هذا الوجود الذي حوله؟ ولماذا؟ ماذا وراء هذه الماديات، أهناك غيبيات أخرى أو ليس كذلك؟ ومن الذي فعل كل هذا وصنعه ببديع الصنع وجميل الخلق، فخلقه وسوَّاه وأعطى كل خلقٍ صورته وجعل لكل خلقٍ مهمةً وهداه إليها؟ وأين هذا الخلاق الرزاق القوي العليم البديع، أين هو؟ هل نستطيع أن نراه أو لا نستطيع؟ وهل نستطيع أن نتعرف عليه وكيف ومن أين؟
هذه جملة العقيدة، تعطينا تصوراً عن كل هذه الأمور، حين يصح هذا التصور تصح نظرة الإنسان إلى ما حوله، فيرى كل شيءٍ على حقيقته، وبالتالي يقيِّم كلّ شيءٍ بقيمته، ومن هنا يصح السلوك ويرشد الفعل، ويتحرك الإنسان في حياته حركةً نافعة، حركةً مهتدية لا ضلال فيها.