"كان الله ولم يكن معه شيء"إلا روحه، وما كان شيء آخر ينسب روحه إليه أو يضاف إليه غير الله، فلما كان روحه أول باكورة أثمرها الله تعالى بإيجاده من شجرة الوجود، وأول شيء تعلقت به القدرة وشرفه بتشريف إضافته إلى نفسه فسماه {رُّوحِي} [الحجر: 29] كما سُمي أول بيت من بيوت الله وضع للناس، وشرفه بالإضافة إلى نفسه، فقال: {بَيْتِيَ} ، ثم حين أراد أن يخلق آدم سواه ونفخ فيه من روحه أي: من الروح المضاف إلى نفسه وهو روح النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] فكان روح آدم من روح النبي - عليهما السلام - بهذا الدليل، وكذلك أرواح أولاده لقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} [السجدة: 8 - 9] وقال تعالى في مريم عليها السلام: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} [الأنبياء: 91] فكانت النفخة لجبريل وروحها من روح النبي صلى الله عليه وسلم المضاف إلى الحضرة، وهذا أحد أسرار قوله صلى الله عليه وسلم:"آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة".
ثم قوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] هذا راجع إلى اليهود الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح يعني: أنكم سألتموني وقد أجبتكم أنه {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ولكنكم ما تفهمون كلامي؛ لأني أخبركم عن عالم الآخرة وعن الغيب وأنتم أهل الدنيا والحس، والدنيا وعلمها قليل بالنسبة إلى الآخرة وعلمها، فإنكم عن علمها غافلون كقوله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7] .