وقد قيل أن في خبو النار تخفيفاً لعذاب أهلها، فكيف يجمع بينه وبين قوله (لا يخفف عنهم العذاب) وأجيب بأن المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس بين الخبو والتسعر، وقيل ضعفت وهدأت من غير أن يوجد نقصان في إيلامهم، لأن الله تعالى قال (لا يفتر عنهم) وقيل معناه أرادت أن تخبو، وقيل معناه كلما نضجت جلودهم واحترقت أعيدوا إلى ما كانوا عليه وزيد في سعير النار لتحرقهم.
(ذلك) العذاب المذكور (جزاؤهم) الذي أوجبه الله لهم واستحقوه عنده (بأنهم كفروا بآياتنا) أي بسبب كفرهم بها فلم يصدقوا بالآيات التنزيلية ولا تفكروا في الآيات التكوينية (وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً) الهمزة للإنكار وقد تقدم تفسير هذه الآية في هذه السورة (أئنا لمبعوثون) أي مخلوقون (خلقاً جديداً) مصدر من غير لفظة أو حال أي مخلوقين مستأنفين فجاء سبحانه بحجة تدفعهم عن الإنكار وتردهم عن الجحود فقال:
(أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم) أي من هو قادر على خلقها في عظمها وشدتها فهو على إعادة ما هو أدون منه في الصغر والضعف أقدر، وقيل المراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم من الإنس قال الكرخي: أراد بمثلهم إياهم فعبر عن خلقهم بلفظ المثل كقول المتكلمين الإعادة مثل الابتداء وذلك أن مثل الشيء مساوٍ له في حاله فجاز أن يعبر عن الشيء نفسه.
يقال مثلك لا يفعل كذا أي أنت لا تفعله، أو أنه تعالى قادر على أن
يخلق عبيداً يوحدون ويقرون بكمال حكمته وقدرته، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة وعلى هذا فهو كقوله (يأت بخلق) (ويستبدل قوماً غيركم) وعلى القول الأول يكون الخلق بمعنى الإعادة وعلى هذا القول هو على حقيقته، والمعنى قد علموا بدليل العقل أن من قدر على خلق السماوات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم لأنهم ليسوا بأشد خلقاً منها كما قال أأنتم أشد خلقاً أم السماء. قال الواحدي: والأول أشبه.