لما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر والبينات ولزمتهم الحجة وغلبوا ، أخذوا يتعللون باقتراح الآيات: فعل المبهوت المحجوج المتعثر في أذيال الحيرة ، فقالوا: لن نؤمن لك حتى ... وحتى تَفْجُرَ تفتح. وقرئ: تفجر ، بالتخفيف مِنَ الْأَرْضِ يعنون أرض مكة يَنْبُوعاً عينا غزيرة من شأنها أن تنبع بالماء لا تقطع: «يفعول» من نبع الماء ، كيعبوب من عب الماء كَما زَعَمْتَ يعنون قول اللّه تعالى إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ. قرئ: كسفا ، بسكون السين جمع كسفة ، كسدرة وسدر. وبفتحه قَبِيلًا كفيلا بما تقول شاهدا بصحته. والمعنى: أو تأتى باللّه قبيلا ، وبالملائكة قبيلا ، كقوله:... كنت منه ووالدي بريّا «1» ...
فإنّى وقيّار بها لغريب «2»
أو مقابلا ، كالعشير بمعنى المعاشر ، ونحوه لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا أو جماعة حالا من الملائكة مِنْ زُخْرُفٍ من ذهب فِي السَّماءِ في معارج السماء ، فحذف المضاف.
يقال: رقى في السلم وفي الدرجة وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ولن نؤمن لأجل رقيك حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً
(1) رمانى بأمر كنت منه ووالدي بريا ومن جول الطوى رمانى
للفرزدق. يقول: قذفني بأمر أنا بريء منه ووالدي ، فكان: مجردة عن المضي ، وحذف خبر الوالد للدلالة عليه ، والعطف من عطف الجمل. وبريا: في نية التقديم ، فلم يلزم تقدم شيء من المعطوف عليه على المعطوف: هذا رأى الجمهور. وأجاز بعضهم أن «والدي» عطف على اسم كان ، فيكون «بريا» خبره ، وخبر اسمها محذوفا أو بالعكس ، والعطف من عطف المفردات. ويجوز أن «بريا» خبر عنهما ، لأن فعيلا يقال للواحد والمتعدد ، لموازنته المصدر:
كصهيل وضجيج ونحيب ونسيب ، وإن كان استعماله كذلك بمعنى فاعل قليلا. وجول الطوى - بالضم -: جانب البئر المطوى. والمعنى: أنه رمانى بأمر يرجع عليه هو ، كأنه رمانى وهو في أسفل البئر بحجر فيرجع عليه ، كناية عن مكافأته بأمر أعظم مما رماه به. ويجوز أن الأمر الذي رماه به متصف به الرامي ، وهو أنسب بالتشبيه.
ويروى ومن أجل الطوى. فليحرر.
(2) . تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول ص 629 فراجعه إن شئت اه مصححه.