والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي بمكة عند الصفا ، فجهر بالقرآن في صلاة الغداة ، فقال أبو جهل: لا تفترِ على الله ، فخفض النبي صلى الله عليه وسلم صوته ، فقال أبو جهل للمشركين: ألا ترون ما فعلت بابن أبي كبشة؟! رددته عن قراءته ، فنزلت هذه الآية ، قاله مقاتل.
فأما التفسير ، فقوله: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} المعنى: إِن شئتم فقولوا: يا ألله ، وإِن شئتم فقولوا: يا رحمن ، فانهما يرجعان إِلى واحد ، {أيّاً ما تدعوا} المعنى: أيَّ أسماء الله تدعوا ؛ قال الفراء: و"ما"قد تكون صلة ، كقوله: {عما قليلٍ ليُصْبِحُنَّ نادمين} [المؤمنون: 40] ، وتكون في معنى:"أيّ"معادَة لمَّا اختلف لفظهما.
قوله تعالى: {ولا تجهر بِصَلاتك} فيه قولان.
أحدهما: أنها الصلاة الشرعية.
ثم في المراد بالكلام ستة أقوال.
أحدها: لاتجهر بقراءتك ، ولا تخافت بها ، فكأنه نهي عن شدة الجهر بالقراءة ، وشدة المخافتة ، قاله ابن عباس.
فعلى هذا في تسمية القراءة بالصلاة قولان ذكرهما ابن الأنباري.
أحدهما: أن يكون المعنى: فلا تجهر بقراءة صلاتك.
والثاني: أن القراءة بعض الصلاة ، فنابت عنها ، كما قيل لعيسى: كلمة الله ، لأنه بالكلمة كان.
والثاني: لا تصلّ مراءاة للناس ، ولا تَدَعْها مخافة الناس ، قاله ابن عباس أيضاً.
والثالث: لا تجهر بالتشهُّد في صلاتك ، روي عن عائشة في رواية ، وبه قال ابن سيرين.
والرابع: لا تجهر بفعل صلاتك ظاهراً ، ولا تخافت بها شديد الاستتار ، قاله عكرمة.
والخامس: لا تُحسِنْ علانيتها ، وتُسِيءْ سريرتها ، قاله الحسن.
والسادس: لا تجهر بصلاتك كلِّها ، ولا تُخافت بجميعِها.
فاجهر في صلاة الليل ، وخافِت في صلاة النهار ، على ما أمرناك به ، ذكره القاضي أبو يعلى.
والقول الثاني: أن المراد بالصلاة: الدعاء ، وهو قول عائشة ، وأبي هريرة ، ومجاهد.