وهكذا بدأت الدعوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، ثم آمنت به زوجته خديجة رضي الله عنها، ثم صديقه الوفي أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ثم ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لنعلم من أين يبدأ الداعية، وأن الدعوة تنطلق من الداخل إلى الخارج.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم ظل يدعو قومه وعشيرته إلى توحيد الله عز وجل، وكان القرآن المكي ينزلُ لبناء جيل الصفوة على العقيدة الصافية وإثبات التوحيد والبعث والرسالة.
ثم تعرَّض المسلمون الأوائل إلى سلسة من المحن والابتلاءات، ولكنهم صبروا وتحملوا، واختاروا الدين على الأرض والوطن، حتى جعل الله تعالى لهم فرَجًا ومخرجًا ومنطلقًا جديدًا للدعوة، وكتب الله تعالى لهم العزة والقوة والتمكين في الأرض، ويذكِّر الله تعالى عباده بذلك، فيقول:"وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [الأنفال: 26] .
ثم كتب الله عليهم بعد ذلك القتال من أجل إعلاء كلمه الله عز وجل، ولحماية الدعوة، وتأديب مَن يقف في طريقها ليحول بين الناس وبين الإيمان بالله عز وجل، ولبيان الرشد من الغي لتحقيق قاعدة:"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" [البقرة: 256] .
وهكذا تتجلَّى مظاهر التدرج في دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتي مرت بالمراحل السابقة، وبدأت بالاستضعاف، وانتهت بالتمكين في الأرض، وألخصها في النقاط الآتية:
1 -البدء بالأقربين.
2 -البدء بالتوحيد.
3 -إرساء قواعد العقيدة قَبْل الأمر بالتكاليف؛ حيث بدأ الأمر بالتكاليف في المدينة بعد إقامة الدولة وتمكين الإيمان في القلوب.
4 -الدعوة باللِّين وبالحكمة والموعظة الحَسَنة، وتحمُّل مشاقِّ الدعوة، والصبر على ذلك، ثم تحمل أذى المعارضين، خصوصًا في مرحلة الاستضعاف.
5 -عرض الدعوة على جميع الناس؛ الفقراء والأغنياء، القريب والبعيد، وإقامة الحجة على الناس، وطلب النصرة.
6 -استعمال القوة لحماية الدعوة عند الاستطاعة.