فسبحانه وتعالى له الخلق والاختيار، وهو أعلم سبحانه حيث يجعل رسالته، وليس الاختيار لأحد من الخلق؛ لأن الكفار اقترحوا أن تكون الرسالة لرجل غير محمد، وحكى الله تعالى عنهم ذلك في قوله:"وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" [الزخرف: 31، 32] .
يقول ابن القيم رحمه الله:
(فالله عز وجل هو الذي يقسِّم فضله بين أهل الفضل حسب علمه بمواقع الاختيار، ومن يصلح له ممن لا يصلح، وهو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، وقسم بينهم معايشهم ودرجات التفضيل، وهو سبحانه أعلم بمواقع اختياره؛ كما قال تعالى:"وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ" [الأنعام: 124] ؛ أي:(أعلم بالمحل الذي يصلح لاصطفائه، وكرامته وتخصيصه بالرسالة والنبوة دون غيره) [15] ، فكان الاختيار والاصطفاء لخير أهل الأرض وأكرمهم وأشرفهم صلى الله عليه وسلم.
2 -وكانت إرادة الله تعالى أن ينشأ - عليه الصلاة والسلام - يتيمًا لتكون تربيتُه خالصةً على عناية الله تعالى وحده؛ قال تعالى:"أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى" [الضحى: 6] ، وهذا أيضًا من الإعداد للرسالة.
3 -وكانت معجزة شق الصدر الواردة في كتب السيرة، وفي تفسير قوله تعالى:"أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ" [الشرح: 1] [16] .
4 -الخَلوة في الغار للتحنُّث وبدء الوحي:
روى البخاري رحمه الله تعالى عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: (أول ما بُدِئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنَّث فيه - وهو التعبد اللياليَ ذوات العدد - قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء) [17] .
يقول ابن حجر في الفتح: