قال أبو علي: إذا كان المصدرُ الكسْفَ, فالكسْفُ: الشيء المقطوع؛ كما يقال في الطَّحْن والطِّحْن، والسَقي والسِّقي، ويؤكد هذا قوله: {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا} [الطور: 44] , وذكر الزجاج وجهاً ثالثًا، فقال: من قرأ كِسْفًا فكأنه قال: أو تسقطها طبَقًا علينا، واشتقاقه من كَسَفْتُ الشيء إذا غَطَّيته، ومن فتح السين فهو جمع كِسْفَةٍ مثل قِطْعَةٍ وقِطَعٍ، وسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهو نصب على الحال في القراءتين جميعًا، كأنه قال: أو تسقط السماء علينا مقطعة.
قال ابن عباس في قوله: {كِسَفًا} : قطعًا
وقال مجاهد: السماء جميعًا، وهذا على قراءة من سَكَّن السين، ومعناه كما قال الزجاج: طبقًا، أو كما قال أبو علي: قطعة واحدة.
وقوله تعالى: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} ذكروا في هذا ثلاثة أقوال: قال ابن عباس في رواية الضحاك: عيانًا، وهو قول قتادة وابن جريج، والمعنى: تأتي بهم حتى نراهم مقابلة، والعرب تُجري القبيل في هذا المعنى مجرى المصدر، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وذكرنا هذا عند قوله: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا} [الأنعام: 111] ، وهذا القول منهم يدل على جهلهم بصفة الله؛ حيث لم يعلموا أنه لا يجوز على الله المقابلة.
القول الثاني: ما قاله ابن عباس في رواية عطاء: يريد فوجًا بعد فوج.
قال الليث: وكل جيل من الجن والناس قبيل، ذكرنا ذلك في قوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} [الأعراف: 27] ، وهذا قول مجاهد.
القول الثالث: أن قبيلًا معناه هاهنا ضامنًا وكفيلاً، روي ذلك عن ابن عباس، وذكره الزجاج وابن قتيبة.
قال الزجاج: يقال: قَبُلْتُ به أقْبُل، كقولك: كَفُلت أكفُل، وهو على هذا واحدٌ أريد به الجمع، وقد جاء [فعيل مفردًا] يُراد به الكثرة، كقول رؤبة:
دَعْها فما النَّحْوِيُ من صديقِها