الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ بَيَّنَّا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ احْتِجَاجًا بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَيْهِمْ، وَتَذْكِيرًا لَهُمْ، وَتَنْبِيهًا عَلَى الْحَقِّ لِيَتَّبِعُوهُ وَيَعْمَلُوا بِهِ {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا}
يَقُولُ: فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا جُحُودًا لِلْحَقٍّ، وَإِنْكَارًا لِحُجَجِ اللَّهِ وَأَدِلَّتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ لَكَ: لَنْ نُصَدِّقَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ أَرْضِنَا هَذِهِ عَيْنًا تَنْبُعُ لَنَا بِالْمَاءِ.
وَقَوْلُهُ {يَنْبُوعًا} يَفْعُولٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: نَبَعَ الْمَاءُ: إِذَا ظَهَرَ وَفَارَ، يَنْبُعُ وَيَنْبَعُ، وَهُوَ مَا نَبَعَ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ {تَفْجُرَ} فَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ {حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا} خَفِيفَةً وَقَوْلُهُ {فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا} بِالتَّشْدِيدِ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ قُرَّاءُ الْكُوفِيِّينَ يَقْرَءُونَهَا، فَكَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا بِتَخْفِيفِهِمُ الْأُولَى إِلَى مَعْنَى: حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ مَاءً مَرَّةً وَاحِدَةً. وَبَتْشِدِيدِهِمُ الثَّانِيَةَ إِلَى أَنَّهَا «تَفَجَّرُ» فِي أَمَاكِنَ شَتَّى، مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، إِذَا كَانَ ذَلِكَ تَفَجَّرُ أَنْهَارٍ لَا نَهْرٌ وَاحِدٌ، وَالتَّخْفِيفِ فِي الْأُولَى وَالتَّشْدِيدُ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكُوفِيِّينَ أَعْجَبُ إِلَيَّ لِمَا ذَكَرْتُ مِنِ افْتِرَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْأُولَى مَدْفُوعَةً صِحَّتُهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) }