وفوقك الجبال التي لا تقدر على الوصول إليها فأنت محاط بك من فوقك وتحتك بنوعين من الجماد ، وأنت أضعف منهما بكثير ، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر فكأنه قيل له: تواضع ولا تتكبر فإنك خلق ضعيف من خلق الله المحصور بين حجارة وتراب فلا تفعل فعل المقتدر القوي:
ثم قال تعالى: {كُلُّ ذلك كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا} وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الأكثرون قرؤا {سيئة} بضم الهاء والهمزة وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {سيئة} منصوبة أما وجه قراءة الأكثرين فظاهر من وجهين:
الوجه الأول: قال الحسن: إنه تعالى ذكر قبل هذا أشياء أمر ببعضها ونهى عن بعضها ، فلو حكم على الكل بكونه سيئة لزم كون المأمور به سيئة وذلك لا يجوز ، أما إذا قرأناه بالإضافة كان المعنى أن ما كان من تلك الأشياء المذكورة سيئة فهو مكروه عند الله واستقام الكلام.
والوجه الثاني: أنا لو حكمنا على كل ما تقدم ذكره بكونه سيئة لوجب أن يقال: إنها مكروهة وليس الأمر كذلك لأنه تعالى قال: {مَكْرُوهًا} أما إذا قرأناه بصيغة الإضافة كان المعنى أن سيئ تلك الأقسام يكون مكروهاً ، وحينئذ يستقيم الكلام.
أما قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو: فيها وجوه: الأول: أن الكلام ، تم عند قوله:
{ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [الإسراء: 35] ثم ابتدأ وقال: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] {وَلاَ تَمْشِ فِى الأرض مَرَحًا} [الإسراء: 37] .
ثم قال: {كُلُّ ذلك كَانَ سَيّئُهُ} والمراد هذه الأشياء الأخيرة التي نهى الله عنها.
والثاني: أن المراد بقوله: {كُلُّ ذلك} أي كل ما نهى الله عنه فيما تقدم.
وأما قوله: {مَكْرُوهًا} فذكروا في تصحيحه على هذه القراءة وجوهاً: الأول: التقدير: كل ذلك كان سيئة وكان مكروهاً.