فَعَلَّلَ بِالْحِرْصِ (وَلِلْإِجْمَاعِ) عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ كَالْحَسَدِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ كَالْهَمِّ لِعُمُومِ حَدِيثِ (التَّجَاوُزِ) عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْحِرْصِ بِأَنَّهُ (قَارَنَهُ) فِعْلٌ وَسَبَقَ عَنْ الْعَبَّادِيِّ تَرْجِيحُهُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فِي الْأُمِّ حَيْثُ قَالَ فِي (بَابِ) الرَّجْعَةِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا، وَكَذَا كُلُّ مَا لَمْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ فَهُوَ حَدِيثُ (النَّفْسِ) الْمَوْضُوعُ عَنْ بَنِي آدَمَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَدِيثُ النَّفْسِ الَّذِي يُمْكِنُ دَفْعُهُ، لَكِنَّ فِي دَفْعِهِ مَشَقَّةً لَا إثْمَ فِيهِ، لِقَوْلِهِ «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا» ، وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ حَدِيثِ النَّفْسِ.
وَإِذَا تَعَلَّقَ (هَذَا) النَّوْعُ بِالْخَيْرِ (أُثِيبَ) عَلَيْهِ وَيَجْعَلُ تِلْكَ الْمَشَقَّةَ مُوجِبَةً لِلرُّخْصَةِ دُونَ إسْقَاطِ اعْتِبَارِ الْكَسْبِ وَإِلَّا كَانَ يُقَالُ إنَّمَا (سَقَطَ) التَّكْلِيفُ بِهِ فِي طَرَفِ (الشَّرِّ) لِمَشَقَّةِ اكْتِسَابِ دَفْعِهِ فَصَارَ كَالضَّرُورِيِّ وَالضَّرُورِيُّ يُثَابُ (عَلَيْهِ) وَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ (كَذَلِكَ) هَذَا.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْخَطْرَةِ مَا إذَا تَعَمَّدَهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ فَقَالَ نَقْلًا عَنْ (الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ) وَذَكَرَ (مِمَّا) لَا يُؤَاخَذُ بِهِ حَدِيثُ النَّفْسِ ثُمَّ قَالَ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَى «لَك النَّظْرَةُ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَك الثَّانِيَةُ» إذَا كَانَتْ الْأُولَى لَا عَنْ قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ فَإِذَا أَعَادَ النَّظَرَ فَهُوَ كَمَنْ حَقَّقَ الْخَطْرَةَ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَإِذَا تَعَمَّدَ الْخُطْوَةَ فَهُوَ كَمَنْ حَقَّقَ (النَّظْرَةَ)