ينتقل الحق سبحانه وتعالى إلى قضية أخرى تُنظِّم حركة الحياة والإنسان الذي استخلفه الله في الأرض ووهَبه الحياة وأمدَّه بالطاقات وبمُقَوِّمَات الحياة وضرورياتها.
وبعد أنْ تكفّل له بالضروريات ، دَلّه على الترقِّي في الحياة بالبحث والفكر ، واستخدام العقل المخلوق لله ، والمادة المخلوقة لله بالطاقات المخلوقة لله ، فيُرقِّي ويُثري حياته ومجتمعه.
وحركة الترقِّي والإثراء هذه لا تتمّ إلا على قضية ثابتة واضحة ، فإذا تحركتَ في الحياة بناءً على هذه القضية فسوف تصل إلى النتيجة المرجوّة.
فمثلاً ، الطالب الذي يرغَب في دخول كلية الحقوق مثلاً ، لديه قضية واضحة مجزوم بها ، فعندما يلتحق بالحقوق يجتهد ، ويصل من خلالها إلى طموحاته ؛ لأنه سار على ضَوْء قضية اقتنع بها.
إذن: لا بُدَّ أن تُبْنَى حركة الحياة على قضايا ثابتة ، هذه القضايا الثابتة تجعل المتحرِّك في أيِّ حركة واثقاً من أن حركته ستُؤدِّي إلى النتيجة المطلوبة ، فلو أردتَ مثلاً الذهاب إلى الإسكندرية أو إلى أسوان ، فلن تتحرّك إلا إذا تأكدتَ أن هذا الطريق هو الموصِّل إلى غايتك ، وكذلك حركة الحياة لا يمكن أنْ تتمَّ إلا بناءً على قضايا حقيقية مضبوطة في الكون ، وهذا ما نسميه (العلم) .
وقد سبق أن أوضحنا معنى القضية ، وأنها المقولة التي يُحكَم على قائلها بالصدق أو الكذب ، كأن نقول: الأرض كُروية ، أو الشمس مضيئة ، أو القمر منير ، وهذه القضايا تعطيني قضية علمية مجزوماً بها وواقعة ، ويمكن أنْ نُدلِّل عليها. وهذا هو العلم.
أما الجهل فأنْ تجزم بقضية ليست واقعية فهي قضية كاذبة ، وليس الجهل عدم العلم كما يعتقد البعض ؛ لأن عدم العلم أمية ، والأميّ ليس عنده قضية لا صادقة ولا كاذبة.
لذلك تجد الأميّ أطوعَ في التعلم من الجاهل ؛ لأن الأمي بمجرد أنْ تُعلِّمه قضية ما يأخذها ويتعلمها ، أما الجاهل فيلزمك أولاً أن تُخرِج من ذهنه القضية المخالفة ، ثم تُعلّمه القضية الصادقة.