والمتأمل يجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما أراد دقة الأحجام في تعاملات الناس أمرهم بإيفاء الكيل حَقَّه ، هكذا: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ.. { [الإسراء: 35]
أما في الوزن فقد ركز على دِقَّته ، وجَعَله بالقسطاس ، ليس القسطاس فحسب بل المستقيم ، إذن: لماذا هذه الدِّقة في الميزان بالذات؟
لو نظرتَ إلى عملية الكيْل لوجدتها واضحة مكشوفة ، قَلَّما يستطيع الإنسان الغِشَّ فيها ، وكثيراً ما ينكشف أمره ويُعلَم تلاعبه ؛ لأن الكيْل أمام الأعين والتلاعب فيه مكشوف.
أما الوزن فغير ذلك ، الوزن مجال واسع للتلاعب ، ولدى التجار ألف طريقة وطريقة يبخسون بها الوزن دون أن يدري بهم أحد ؛ لأن الميزان كما نعلم رافعة من النوع الأول ، عبارة عن محور ارتكاز في الوسط ، وكِفَّة القوة في ناحية ، وكِفَّة المقاومة في الناحية الأخرى ، فأيُّ نَقْص في الذراعين يفسد الميزان ، وأيُّ تلاعب في كِفة القوة أو المقاومة يفسد الميزان.
ولو تحدثنا عن ألاعيب البائعين في أسواقنا لطال بنا المقام ؛ لذلك أكد الحق سبحانه وتعالى على الدقة في الميزان خاصة ؛ لأنه مجال واسع للغشِّ والخداع وأَكْل أموال الناس.
وسبق أن أوضحنا أن ميزان كُلِّ شيء بحسبه ، ويتناسب مع قيمته ونفاسته ، فالذي يزن الجير مثلاً غير الذي يزن اللوز ، غير الذي يزن الذهب أو الألماس ؛ لذلك من معاني (القسطاس المستقيم) أن يتناسب الميزان مع قيمة الموزون ، فالذي يبيع الذهب مثلاً يزن أشياء ثمينة مهما كانت قليلة في الميزان ؛ فإنها تساوي الكثير من المال.
لذلك فإن أهل الخبرة في هذه المسألة يقولون: احذر أن يُدخِل البائع رأسه قريباً من الميزان ؛ لأنه قد ينفخ في كِفَّة الميزان ، ولاشكَّ أنك ستخسر كثيراً من جَرَّاء هذه النفخة!!