مناسبة لأواخر سورة الفاتحة ، لأن الله تعالى لما ذكر أن الحامدين طلبوا الهدى ، قال: قد أعطيتكم ما طلبتم: هذا الكتاب هدى لكم فاتبعوه ، وقد اهتديتم إلى الصراط المستقيم المطلوب المسئول ثم إنه ذكر فِي أوائل هذه السورة الطوائف الثلاث الذين ذكرهم فِي الفاتحة: فذكر الذين على هدى من ربهم ، وهم المنعم عليهم والذين اشتروا الضلالة بالهدى ، وهم الضالون: والذين باءوا بغضب من الله ، وهم المغضوب عليهم انتهى أقول: قد ظهر لي بحمد الله وجوهاً من هذه المناسبات: أحدها: أن القاعدة التي استقر بها القرآن: أن كل سورة تفصيل لإجمال ما قبلها ، وشرح له ، وإطناب لإيجازه وقد استقر معي ذلك فِي غالب سور القرآن ، طويلها وقصيرها وسورة البقرة قد اشتملت على تفصيل جميع مجملات الفاتحة فقوله: الحمد لله تفصيله: ما وقع فيها من الأمر بالذكر فِي عدة آيات ومن الدعاء فِي قوله: (أُجيبُ دَعوَةَ الداعِ إِذا دعان) وفي قوله: (ربَنا لا تؤَاخِذنا إِن نَسينا أَو أَخطأَنا ربَنا ولا تَحمِل عَلينا إِصراً كَما حَملتَهُ عَلى الذينَ مِن قبلِنا ربَنا ولا تُحمِلُنا مالا طاقةَ لنا بِه واعفُ عنَّا واغفِر لنا وارحمنا أَنتَ مَولانا فانصُرنا عَلى القومِ الكافرين) وبالشكر فِي قوله: (فاذكُروني أَذكُركُم واشكُروا لي ولا تكفرون) وقوله: (ربِ العالمين) تفصيله قوله: (اعبُدوا ربَكُم الذي خلَقَكُم والذينَ مِن قبلِكُم لعَلَكُم تَتَقون الذي جَعَلَ لَكُم الأرضَ فِراشاً والسماء بناءً وأَنزل مِنَ السماءِ ماءً فأخرج به الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأَنتم تعلمون) وقوله: (هوَ الذي خَلقَ لَكُم ما فِي الأَرض جميعاً ثُمَ استوى إِلى السماءِ فسواهن سبع سمواتٍ وَهوَ بكُلِ شيء ٍ عليم) ولذلك افتتحها بقصة خلق آدم الذي هو مبدأ البشر ، وهو أشرف الأنواع من العالمين ، وذلك شرح لإجمال (ربِ العالمين) وقوله: (الرحمن الرحيم) قد أومأ إليه بقوله فِي قصة آدم: (فتابَ عليكُم إِنه هوَ