ثمَّ تنتقل الآيات لبيان مصدر الهداية جمعاء للأمَّة، ألا وهو القرآن الكريم؛ الَّذي فيه نبأ مَن قبلنا، وخبر مَن بعدنا، وهو حبل الله المتين، من ابتغى الهُدى في غيره أضلَّه الله، ثمَّ على طريقة القرآن في المقابلة بيَّنت الآيات جزاءَ من اهتدى بهدي القرآن واتَّبع هدي الله، وأنَّ له الجنَّة، وأنَّ جزاء مَن حاد عن طريق الهداية وسلَك سبل الغَواية جزاؤُه جهنَّم - أعاذنا الله منها، اللَّهُمَّ آمين.
"إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً * وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً" [الإسراء: 9، 10] .
والحمد لله ربِّ العالمين، اللَّهُمَّ اغفر لنا تقصيرَنا، وارزُقْنا فهمًا بكتابِك وعملا بآياتِه، والله أعلى وأعلم.
المطلب الثالث: التفسير التحليلي للآيات الكريمة ويشمل مسائل:
تشتمِل هذه الآيات الكريمة على عدَّة مسائل، أُوجِزُها فيما يلي:
المسألة الأولى: سبب النزول:
قال أبو حيان:"سبب نُزول"سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ"ذِكْر رسول الله - صلَّى اللَّه عليْه وسلَّم - لقريش الإسراءَ به وتكذيبهم له، فأنزل الله ذلك تصديقًا له" [7] .
المسألة الثانية: الحديث عن معجزة الإسراء والمعراج، وتشْمل نقاطًا:
أوَّلها: هل كان الإسراء والمعراج بالرّوح والجسد للنَّبيّ - صلَّى اللَّه عليْه وسلَّم؟
الذي لا ريب فيه وتطمئنُّ إليه النَّفس، وعليه جمهور العلماء: أنَّه كان بالجسد والرُّوح معًا، وهذا ما يُشير إليْه قولُه تعالى في الآيات"بعبده"، والعبد تنصرِف للروح والجسد معًا [8] .
ثانيها: هل كان الإسراء والمعراج منامًا أم يقظة؟
الَّذي عليه جمهرة العُلماء وأكَّده مفهوم الآيات: أنَّه كان يقظة لا منامًا، وإلاَّ لما كذَّبت قريش النَّبي؛ فلو كان منامًا ما حدث له التَّكذيب، ففي المنام يُمكن للإنسان أن يرى أشياءَ بعيدةً في بلاد مختلفة.
ثالثها: من أين بدأتْ رحلة الإسراء والمعراج؟